عبد الله بن محمد المالكي

496

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

عليها أعمالها « 44 » على طريق الحزن والخوف . وكان المتعبدون والصالحون إذا سمعوها استراحوا إليها بقلوبهم وانشرحت نفوسهم وانصرفوا منه وهم محزونون نادمون . ولقد ذكر عن [ أبي ] محمد بن فطيس « 45 » المتعبد أنه قال : « كان الذين يحضرون « مسجد السبت » إذا خرجوا منه يرى عليهم أثره إلى السبت الآخر » . حدّث أبو الحسن عليّ بن محمد الأنصاري عن أبيه قال : « حضرت مسجد السبت القديم وكان مبنيا بالطوب ، فقال القوالون أشعارا في الزهد ، فبكى الناس بكاء عظيما حتى امتلأ المسجد بالبكاء وارتفعت أصواتهم ، فقال رجل جالس بجواري : « لقد طاب المسجد اليوم » فقال له رجل كبير السن شيخ : « يا هذا ، حال « 46 » المسجد عما كنا عهدناه قبل هذا الوقت . أعرف أني حضرته يوما فقام ابن السامة « 47 » فقرأ ( أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ ، اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) « 48 » فقام شاب من الركن يبكي ويصيح : « الأمان باللّه ! » ؛ فرجع القارئ في الآية من أولها ، فقال الشاب : « الأمان باللّه ! » فرجع القارئ مرة ثالثة فصاح الشاب : « الأمان باللّه ! » وخرّ ميتا ، رحمة اللّه تعالى عليه . فهكذا كانت صفة المسجد في الزمان الذي كان يحضر فيه هؤلاء الأفاضل . وأما في هذا الوقت فهو على خلاف ذلك ، فلا ينبغي حضوره ولا السعي إليه ، ولا يحتج في حضوره بمن حضره ممن قدمنا ذكره لأنهم لو أدركوا هذا الزمان لتركوا حضوره » .

--> ( 44 ) اسند الدكتور حسين مؤنس عن المرحوم ح . ح . عبد الوهاب قوله في شرح هذا اللفظ : اي يركبون عليها عمل الألحان . وهذا اصطلاح معروف عندنا في إفريقية والمغرب في فن الأغاني الموسيقية والشعرية . ( الرياض ، الطبعة السابقة ص 401 هامش 1 ) هذا بينما شرح مراجعو كتاب الأغاني التونسية للمرحوم الصادق الرزقي ص 403 لفظ « العمل » بأنه الذكر فيكون المقصود أنهم يركبون على هذه الاشعار اذكارا وتسابيح . ( 45 ) أبو محمد عبد اللّه بن فطيس المتعبد ترجم له المالكي في الرياض ضمن وفيات 337 . وعنها أكملنا اسمه . ( 46 ) في القاموس ( حول ) : كل ما تحول أو تغير من الاستواء إلى العوج فقد حال واستحال . ( 47 ) كذا في الأصل . ولم نقف على هذا الاسم في المصادر التي بين أيدينا . ( 48 ) سورة فصلت آية 40 .