عبد الله بن محمد المالكي
480
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
157 - ومنهم أبو الحسن بن دارس « * » المتعبّد . كان رجلا فاضلا مجتهدا ورعا متقلّلا من الدنيا . حدث عبد اللّه بن نصر ، قال : دخلت أنا وأبو الحسين بن غسان إلى أبي الحسن بن دارس ، وكان في دار فيها بيت مهدوم ليس فيه غير ثلاث حوائز « 1 » وهو تحتها ساكن ، فقلنا له : « شيخنا وسيدنا ، جئناك في حاجة تقضيها لنا » فقال : « حوائجكم مقضية ، فما حاجتكم ؟ » فقلنا : « هذا البيت نبنيه ونعمل له أبوابا ونصلحه ونشتري لك سريرا وفراشا وملحفة ومشملة « 2 » وخادما يخدمك . وقد علمت أن أموالنا حلال » فقال : « ما منكم أحد إلّا أعرفه وقد حج ، أكنتم إذا حججتم ومضيتم إلى بيت اللّه ، عزّ وجل ، وقبر النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، هل تبنون في كل مرحلة بيتا وتجعلون فيه سترا « 3 » وفراشا وكانونا بالفحم « 4 » ؟ » فقلنا له : « لا » فقال لنا : « فهكذا الدنيا ، إنما تقطع مراحل ، وقد دنا نزولنا في المرحلة . وإنما يبتني الإنسان لآخرته . أيبني « 5 » الإنسان ما لا يسكنه ؟ لا ضيع اللّه أجركم . أعطوها لضعيف يحتاج إليها » فخرجنا من عنده ، وإذا بعجوز في الدار تخدمه ، فقلنا لها : « هذه مثاقيل ، خذيها » فقالت : « وأيش أعمل بها ؟ إنما أخدمه للّه تعالى : أبيع له هذه المراوح التي يعملها من الخوص ، يأخذ منها قوته ويتصدق بالباقي » . قال : فأقمنا سنيّات يسيرة ، فاعتلّ وجئنا إليه ، فأصبنا عنده يحيى بن عمر وحمديس القطان وجبلة وأكابر أصحاب سحنون هؤلاء قعودا « 6 » عند رأسه وهو مسجّى إلى القبلة ودموعه تنصب . فقال له يحيى بن عمر : « أصلحك اللّه ، ما الذي أبكاك ؟ » فقال : « واللّه ما بكيت خوفا من الموت ، لأنه كأس لا بد منه ، ولا بد من
--> ( * ) لم يترجم له غير المالكي . ( 1 ) في الأصل : بدون إعجام . وفي ( م ) : جوائز . وأصلحها ناشر الطبعة السابقة : حوائط والحائز هو الخشبة التي تنصب عليها الأجذاع اللسان مادة ( حوز ) . ( 2 ) المشملة - بكسر أولى الميمين - : كساء دون القطيفة يشتمل به ( القاموس : شمل ) . ( 3 ) في ( م ) : سريرا ( 4 ) في ( م ) : للفحم ( 5 ) في الأصول : يبني . ( 6 ) في الأصل : قعود .