عبد الله بن محمد المالكي

450

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

وذكر « 51 » أنه كان يصحب محمد بن سحنون ويطلب عليه الفقه وعلم الكلام والحلال فتى يعرف بأبي الفضل بن حميد « 52 » - أخو عليّ بن حميد الوزير - ولم يكن في علم الجدل بالماهر ، فخرج إلى الحج فمر بمصر ، فدخل حماما بها فإذا عليه رجل يهودي ، فلما / خرج من الحمام أقبل « 53 » يناظر اليهودي على مذهبهم [ فغلبه اليهودي ] « 54 » ، فرجع إلى القيروان بعد ما حج وفي قلبه حسرة ، إذ لم يكن عنده من المناظرة ما يدحض به حجة اليهودي . فلما رجع دخل على محمد بن سحنون فهابه أن يذكر الحكاية . فقضى اللّه تعالى أن خرج محمد بن سحنون على إثر ذلك إلى الحج فصحبه ذلك الرجل إلى مصر ، فقال له : « امض بنا رحمك اللّه إلى الحمام » ، فأجابه ابن سحنون إلى ذلك ، فمضى به إلى الحمام الذي عليه ذلك اليهودي ، فلما خرج ابن سحنون سبقه ذلك الرجل بالخروج ، فأنشب المناظرة مع اليهودي ، فلما خرج ابن سحنون وجدهما يتناظران ، وقد استعلى اليهودي على الرجل بكثرة الحجاج والمناظرة بالباطل لضعف « 55 » الرجل وقلة معرفته بالمناظرة ، فدخل معهما محمد فيما هما فيه ، ورجعت المناظرة بين اليهودي ومحمد بن سحنون حتى حضرت « 56 » صلاة الظهر ، فأقام محمد الصلاة وصلّى ، وعاد إلى المناظرة حتى حضرت « 56 » صلاة العصر فأقام محمد الصلاة وصلّى العصر ، ثم عاد إلى المناظرة فلم يزل إلى صلاة المغرب وقد اجتمع الناس إليهما من كل موضع . وشاع ذلك بمصر وقال الناس بعضهم لبعض : امضوا نسمع المناظرة بين الفقيه المغربي وبين اليهودي . فلما كان عند صلاة المغرب انحصر اليهودي وانقطع « 57 » عن الحجة وظهر عليه ابن سحنون بالدلائل الواضحة والحجة البالغة .

--> ( 51 ) الخبر في المدارك 4 : 215 والمعالم 2 : 125 . ( 52 ) هو أبو الفضل أحمد بن علي بن حميد . كان عالما محدثا جمّاعا للكتب سيترجم له المالكي تحت رقم 156 . ( 53 ) عبارة الأصل : فأقبل ، فخرج من الحمام فأقبل . . . ولعل الصواب ما أثبتنا . ( 54 ) زيادة من المدارك . ورواية المعالم : فوجدوه قويا . ( 55 ) في الأصل : الضعف . ( 56 ) في الأصل : حضر . ( 57 ) عبارة المدارك : فلما حانت صلاة الفجر انقطع اليهودي . وقريب منها عبارة المعالم .