عبد الله بن محمد المالكي

451

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

فلما تبين اليهودي الحق بالبرهان وأراد اللّه عزّ وجلّ هدايته ، قال عند ذلك : « أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه ! » فأسلم وحسن إسلامه ، فكبّر الناس عند ذلك ، وعلت أصواتهم بالتكبير وقالوا : « أسلم اليهودي على يدي الفقيه المغربي ! » ؛ فقام محمد وهو يمسح العرق عن جبينه ، ثم رد وجهه إلى صاحبه وقال : « لا جزاك اللّه خيرا عنّي » ولامه أشد اللوم ، وقال له : « كاد أن تجري على يديك فتنة عظيمة . كيف تأتي إلى رجل يهودي تناظره وأنت ضعيف المناظرة والجدال ؟ فإذا رأى « 58 » من أراد اللّه عزّ وجلّ فتنته هذا الذي كان يهوديا قد غلبك واستظهر عليك بباطله أدخلت عليه الفتنة وداخله الشك في دينه . فلا تكن لك عودة « 59 » لمثل هذا وتب إلى اللّه عزّ وجلّ من ذلك . ولولا أني خفت الفتنة على الناس أن يداخلهم شك في دينهم ما ناظرته » . فرضي اللّه تعالى عنه . وكان عنده من العفو والصفح عمن قصده [ بأذى ] « 60 » أمر كبير ، وسياسة حسنة ، ومعرفة كيف يلقى الحوادث وكيف يصرف الأمور : حدث الشيخ أبو الحسين علي بن الكانشي « 61 » رحمه اللّه تعالى فقال : سمعت عيسى بن مسكين يقول : « كان « 62 » العراقيون قد استعملوا رجلا يسب محمد بن سحنون ، وكانوا يصلونه على ذلك . فكان ذلك الرجل إذا لقي محمدا مخليا سبه علانية ، وإذا لقيه في أصحابه سبه سرا في أذنه ، وفي كل ذلك لا يرد عليه « 63 » محمد شيئا ، صبرا منه على الأذى رجاء لثواب اللّه عزّ وجلّ . فأتاه يوما فوجده مع أصحابه ، فسبه في أذنه ، فلما فرغ من سبه خاف [ محمد ] « 64 » من أصحابه أن يبطشوا به ، فقال له : « نعم وكرامة ! إذا أنا تفرغت تعود إليّ تقضى حاجتك إن شاء اللّه »

--> ( 58 ) في الأصل : رآني . ( 59 ) في الأصل : إعادة . ( 60 ) زيادة من الناشر السابق . ( 61 ) أبو الحسين علي بن محمد الكانشي أو ابن الكانشي من شيوخ إفريقية المشهورين بالتعبد وملازمة الرباط . عرّفنا به في حواشي الرياض الثاني . ( 62 ) الخبر في المدارك 4 : 216 - 217 . ( 63 ) عبارة الأصل : كل ذلك وفي كل لا يرد عليه . وقد حاولنا تقويم العبارة . ( 64 ) زيادة من الناشر السابق .