عبد الله بن محمد المالكي

447

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

الأموال وسبي الحريم ، فكبر عليهم هو ومن معه وقد ناشبوهم القتال ، فهزمهم اللّه على يديه ، وقتل منهم مقتلة عظيمة وأتبعهم بالهزيمة حتى أدخلهم البحر هاربين ، فحلف محمد بعد ذلك أنه لا يخرج إلى الحرس إلا بفرس » . ورأيت « 29 » موعظة كتب بها محمد بن سحنون إلى بعض أمراء بني الأغلب يقول فيها : « أما بعد ، فإني أوصيك ونفسي بتقوى اللّه الذي بطاعته نيلت معالي الأمور وارتقي إلى شرفها . وأول ما آمرك به النظر لنفسك ومعادك الذي تصير إليه ، فلا دنيا لمن لا آخرة له ، وبحسن المنقلب يغبط المرء . فانظر لنفسك وخذ بعنانها واحبسها في « 30 » كل أمر تنازعك إليه . فعمّا « 31 » قليل تذهب الدنيا وتأتي الآخرة ، فلا ينفع نفسا إلا ما قدمت ولا يسوؤها إلا ما عملت . وقد كان يقال : إن خير الخلطاء وأنفع الأخلاء المرشدون في المضلات ، المذكرون في الغفلات . فأذكرك يوما هو منك قريب ، تنزل فيه بساحتك ملائكة الرحمن ، وقد أسلمك الأهل والولدان ، تعطي حيث لا يقبل منك ، مسلوبا منك ما في يديك منه ، مودعا في بطن الأرض . ثم بعد ذلك الطامة الكبرى : يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ، ثم ينشر لك كتاب « 32 » فيه من عملك مثاقيل الذرّ والخردل ، فانظر كيف أنت عند ذلك . وقد قلّدت أمرا عظيما ، لكل الخلق فيك نصيب ، قد اشترك فيك العدو والصديق ؛ فخلص نفسك من وثاقها بأن تملأ الأرض عدلا كما أمرك اللّه سبحانه . واعلم أن الذي ملكك أمر عدوك ، وأدال لك عليه ، وأذله بين يديك ، هو اللّه ربك وربه ، وإلهك وإلهه ، ومالكك ومالكه ، يديل الأمور بينك وبينه في الدنيا ، ثم يتولّى الحكم بينك وبينه يوم القيامة ، فيأخذ منك له « 33 » بمثاقيل الذر والخردل . فانظر ، رحمك اللّه وإيانا ، لنفسك نظر من يموت غدا ثم يحاسب بجميع ما قدم . ولا تملّك نفسك عنانها ، وتمهل في أمرك ، وآثر اللّه عزّ وجلّ عند غضبك ، واعمل في ذلك وكل أمرك بما

--> ( 29 ) في الأصل : ورأيت له . والأولى حذف كلمة « له » . ( 30 ) علق الناشر السابق على هذا بقوله : كذا في الأصل . ولعلّ الأصوب هنا : عن . ( 31 ) في الأصل : فعن . ولعلّ الصواب ما أثبتناه . ( 32 ) في الأصل : كتابا . ( 33 ) في الأصل : فيأخذك له .