عبد الله بن محمد المالكي

446

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

قال « 23 » : ذكر لي بعض سكان « المنستير » « بقصر ابن الجعد » « 24 » أنه خرج من بيته إلى الميضاة التي في أسفل القصبة ، فسمع في البيت الذي يفتح إلى القبلة بقرب الميضاة « 25 » قارئا يقرأ في سورة الأعراف : ( وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ، فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ) « 26 » . وهو يرددها ويبكي ، فقضى حاجته ورجع إلى بيته والقارئ في هذه الآية على حاله يرددها ويبكي . وكانت ليلة شاتية ، فلما كان آخر الليل نزل يتوضأ لصلاة الصبح ، فجاز بذلك البيت ، فسمع الرجل يردّد الآية لم يزل عنها ، فوقف عند الباب ليسمع قراءته ، فسمع حسّ وقوع الدموع على الحصير ، ولم يزل كذلك حتى غشيه الفجر ، فخاف أن تفوته الصلاة ، فأسرع بالوضوء « 27 » ، ووقف إزاء الباب ينتظر خروج ساكن ذلك البيت ، فخرج رجل قد ستر وجهه بردائه ، فطلع إلى مسجد القصبة فاستقصى عليه حتى عرفه ، فإذا به محمد بن سحنون ، رضي اللّه تعالى عنه . وقال اللبيدي : سمعت من أثق به يقول : « خرج محمد بن سحنون من القيروان إلى « قصر الطوب » « 28 » للعبادة والحرس على المسلمين ، قال : فنزلت قطاع الروم بساحل ذلك البحر ، فضربوا على الساحلين وعلى تلك المنازل ، فتصايح الناس ولم يكن مع محمد بن سحنون إلا بغل ، فخاف إن بعث إلى سوسة في طلب فرس أن ينال الروم من المسلمين بغيتهم ، فتقلد بسيف وأخذ رمحا ودرقة ، وركب ذلك البغل الذي كان معه ، واجتمع إليه الناس في جماعة من المرابطين ومن بقرب من القصر من أهل البوادي / التي حوله ، وتمادى بمن معه إلى الروم فوجدهم قد أشرفوا على نهب

--> ( 23 ) الخبر في المدارك 4 : 209 - 210 والمعالم 2 : 131 . ( 24 ) قوله : بقصر ابن الجعد . ربما يكون سبق قلم من المؤلف : وما يجعلنا نتشكك في ذلك ان قصر ابن الجعد ليس به قصبة ، وانما القصبة والربض يختصان بقصر المنستير الكبير . ينظر : الرياض 2 ( ترجمة أبي الفضل الغدامسي ، حيث جاء هناك حديث عن ربض قصر المنستير وقصبته ) . ( 25 ) وردت عبارة « يفتح إلى القبلة » بعد كلمة « الميضاة » فرأينا تقديمها ليستقيم النصّ . بينما رأى ناشر الطبعة السابقة أنها مقحمة . ( 26 ) سورة الأعراف ، الآيتان 21 - 22 . ( 27 ) في الأصل : فاسرع الوضوء . والتصويب للناشر السابق . ( 28 ) في الأصل : الطور . والصواب ما أثبتنا . وهو أحد الرباطات المشهورة بالساحل التونسي تقدم تعريفنا به .