عبد الله بن محمد المالكي
440
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
تعملها الأيدي » ، فقال له أبو الحسن : « ومن يقول هذا ، وأن هذه لم تعملها الأيدي ، واللّه تعالى يقول : ( وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ) « 70 » إلى قوله تعالى : ( وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) « 70 » فما « 71 » كانوا ممن يحكون « 72 » هذا اللعب ؟ » . وقال سعيد بن الحداد : قال لي واصل يوما : « يا سعيد ، من أحب أن يعرف لم يصدق في عبادته ، وإنما كره المتقون أن يعرفوا خوفا منهم أن يكرموا لعلمهم ، فرغبوا إلى اللّه تعالى أن يخفي ذكرهم في الدنيا عن جميع خلقه . يا سعيد « 73 » ، من استأنس باللّه لم يستوحش وإن كان في رؤوس الجبال ، فما أوحش من يكن اللّه أنيسه « 74 » » . قال أبو بكر عتيق بن خلف : كان واصل كثيرا ما يقول : « ثلاثة من أعلام المحبة : حب الليل للتهجد والخلوة ، وكراهية الصبح لرؤية الناس والغفلة ، والمبادرة بالصالحات مخافة الفترة » . وكان يقول : « إن طريق الآخرة قد خلا لسالكيه ، فلا يسلكه إلا القليل ؛ وازدحم الناس على طريق الدنيا حتى تضاغطوا فيه واندفعوا ولم يسمح أحد لصاحبه . والناس في طريق الدنيا ثلاثة أصناف : صنفان معتلنان ، وصنف مستتر . فالصنفان المعتلتان الملوك والتجار : طلبوا الدنيا غير مرائين ، استوت أسرارهم وعلانيتهم ؛ والصنف الثالث المستترون : أظهروا قصد الآخرة وضمائرهم مطوية على الدنيا ، ورأوا أن طلب الدنيا بالدين أعظم ربحا فذهبوا « 75 » أن يجمعوا بين الحالتين . أن يبقى لهم إجلال الديانة ، ويبلغوا إلى شهواتهم الباطنة . ولم يأخذ أحد من الدنيا منزلة إلا ترك مثلها من الآخرة . فلما قصدوا الدنيا من الجهتين سقطت عنهم الآخرة من الجهتين ، لأن طلب الدنيا بالدنيا مباح ، وطلب الدنيا بالدين محرم » . وكانت لواصل أخت ، فكان لاشتغاله بالعبادة والتبتل لا يتفرغ لزيارتها ،
--> ( 70 ) سورة يس . آية 33 . ( 71 ) في الأصل : أفما . ( 72 ) في الأصل : يحكوا . وأصلحها ناشر الطبعة السابقة : يحلون . ( 73 ) في الأصل : يا سعدون . وسياق الكلام يقضي هذا التعديل . ( 74 ) كذا ورد في الأصل . ولعل الصواب : « فما أوحش من [ لم ] يكن اللّه أنيسه . ( 75 ) كذا في الأصل .