عبد الله بن محمد المالكي

427

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

قال : فلما أصبح الصبح سلّمت عليه وانصرفت ، فلما نزلت على الدرج من « البرج » صيح بي ، فرجعت إليه فقال لي : « سألتني عن شيء وكتمته عنك ، فلما انصرفت حاسبت نفسي لك ، وقلت : « لا أدعه ينصرف على غير صحيح ، فالذي قيل لك عنّي هو صحيح : لي ستة أشهر لم أشرب ماء ، وذلك أني كنت قائما أصلّي ، فأصابني عطش شديد ، فلما سلّمت من الصلاة مددت يدي لآخذ القسط ، فانقلب القسط وذهب كل ما فيه من الماء ، وكانت ليلة كثيرة الريح والبرد ، والماجل أسفل « القصر » . فكبر عليّ النزول في طلب الماء ، فقلت : « يا رب ، إن هذا الماء شغلني عن حزبي ، فاحمل عنّي المؤونة » . فأجابني صوت من زاوية البيت - ولم أر أحدا - وهو يقول : « أصلحك [ اللّه ] « 49 » ، أنا من مؤمني الجن ، أصلّي بصلاتك مدة من الدهر ، فمر بنا في هذه الليلة شيطان مارد من شياطين الجن - وهم أضر علينا مما هم عليكم ، نهرب بأدياننا منهم - فحسدك على ما أعطاك اللّه عزّ وجلّ من الطاعة ، فرمى لك شيئا في القسط ، ولو شربته لعرض لك في جسمك شيء ليس لك به طاقة ، / فلما مددت يدك إلى القسط سبقتك إليه فهرقته » . قال عبد الرحيم : « فأخلصت للّه عزّ وجلّ - فسألته « 50 » ، فحمل عني مؤونة العطش ، وإن احتجنا - بعد هذا - إلى الماء شربنا » . قال : « فنزل سحنون متقلدا بسيفه ليركب دابته ، فنظر إليه الناس فقال لهم : « وما تستعظمون من هذا ؟ عبد سأل مولاه في حاجة فقضاها له » . حدث أحمد بن [ أبي ] « 51 » حبيب البلياني « 52 » ، وكان رجلا صالحا ، قال « 53 » :

--> ( 49 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 50 ) أي ابتهلت اليه . وتفسرها رواية المدارك : فأخلصت للّه الدعاء . فحمل عني . . . ( 51 ) زيادة مما سيسنده عنه المالكي قريبا في نصّ آخر . كما أسند عنه اللبيدي في مناقب الجبنياني وعدّه من أهل العلم ثم تحدث عن صلته بصاحب المناقب . ( المناقب ص 11 والترجمة ص 205 وفهرس الاعلام ص 350 ) . ( 52 ) هذه النسبة إلى بليانة نافذ - بدال معجمة أو مهملة - قرية قريبة من قصر زياد - حسب ما يرجح - . ينظر : مناقب الجبنياني ص 55 والترجمة ص 243 - 244 وتعليق المترجم رقم 122 . ( 53 ) النصّ في المدارك 4 : 195 .