عبد الله بن محمد المالكي

428

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

[ كان ] « 54 » بقرب قصر زياد رجل من بني نافذ « 55 » وكان له ناحية من السلطان ، وكان له فرس وكان يطلقه في زرع المرابطين ، فخوطب في ذلك فلم يقبل ولا سأل عن كلام من خاطبه ، فأتى الناس إلى عبد الرحيم فذكروا ذلك له ، فرفع عينيه إلى السماء وقال : « اللهم اجعله آية للعالمين واكف المسلمين شره » ، فطارت عينا الفرس جميعا ، وبقي أعمى لا يبصر شيئا ، وكفى اللّه المسلمين شرّه . وبإسناده « 56 » قال : « بلغنا أن « 57 » عبد الرحيم نزل به فقير من الفقراء ، فلم يجد ما يقدمه إليه إلا قرصا من الشعير أعدّها « 58 » لإفطاره ، فآثر بها الفقير على نفسه فأتى بالقرص وقدمه إليه وبقي هو بلا شيء ، فقيل له : « أصلحك اللّه ، وما يكون منك ، وأنت لا تقبل لأحد « 59 » شيئا ، وإنما تأكل من حلالك الذي تعرفه ؟ » قال : فقال لهم : « إن اللّه تعالى لا يتركني بالجوع » . فلما كان بعد ذلك بساعة ، مر رجل من سكان المنستير « 60 » « ببرج عبد الرحيم » فسمع فيه كلاما « 61 » ، فدخل على عبد الرحيم ، فلم يجد عنده أحدا ، ووجد بين يديه قرصا وتمرا ، فقال له : « تقدم فكل » فقال له : « سألتك باللّه ، أصلحك اللّه ، من أين أتاك هذا ؟ » فلما أقسم عليه قال : « أتاني به الخضر وقال لي : هذا التمر أتيتك به من أجدابية » ، ثم قال عبد الرحيم : « آثرنا بما عندنا هذا الرجل الفقير فعوضنا اللّه عزّ وجلّ ما هو أفضل منه » .

--> ( 54 ) زيادة من المدارك . ( 55 ) بنو ناقد - كذا ورد هذا الاسم في الأصل ، بدال مهملة قبلها قاف ، واعتمدنا ما جاء رسمه في بعض الروايات - بالذال المعجمة مسبوقة بفاء - وهي أسرة عربية كانت تتولى المناصب السامية في الدولة الأغلبية ، يراجع ما جاء من شذرات عن هذه الأسرة في المصادر : البيان المغرب 1 : 140 - 141 ، مناقب الجبنياني ص 54 ، 55 ، طبقات النحويين واللغويين ص 272 . ( 56 ) أي باسناد الخبر المتقدم عن أحمد بن أبي حبيب البلياني . ( 57 ) الخبر في المدارك 4 : 196 . ( 58 ) في الأصل : استعدها . والمثبت من المدارك . ( 59 ) في المدارك : من أحد . ( 60 ) يرسمها ناسخ الأصل : المستنير . ( 61 ) في الأصل : كلام .