عبد الله بن محمد المالكي

406

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

أصلحك اللّه ؟ » قال : « كانت شدة وأزمة عظيمة ، وضاق بنا الحال ، فبلغني أن رجلا من أشراف مهرة عنده طعام كثير يصل منه ويعطي » ، قال : « فحسن عندي [ المسير إليه ] « 22 » ، فركبت دابتي ومضيت حتى وصلت منزله ، فوجدته جالسا في مسجده وعنده جماعة من الناس : مشترون « 23 » وغيرهم . [ فسلّمت عليه ] « 22 » وجلست ثم عرّفته بنفسي ، فلم يكن منه انشراح يرضيني ، فصلى المغرب ثم دخل منزله ، ثم خرج فصلّى بنا العشاء الآخرة ، ثم دخل فلم نشعر إلا بالموائد [ قد ] « 22 » نصبت للناس ، فأكلنا ، ثم أمر من أعلف « 24 » دوابنا . فلما كان آخر الليل سمعت حركة الناس للإدلاج ، فإذا بغلام ينبهني ، فقلت : « ما بالك « 25 » ؟ [ فقال : قم ] « 26 » ، إن الناس راحلون » فامتنعت ، فقال لي : [ يا هذا ] « 26 » « بهذا أمرني مولاي » فقدّم إليّ دابتي ، فركبت وأنا من أكثر الناس هما ، وجعلت أقول في نفسي : « هذا الكذا ، لم يلق [ لي ] « 26 » بالا ولا اكترث بقدومي عليه ! » وندمت على إتياني إليه . ومضى الغلام معي حتى لقينا الناس ، فقال لبعض أهل الرفقة : « هذا الرجل » ثم قال لي : « إن مولاي احتشم منك ومن لقائك والاجتماع معك والاستماع لمحادثتك إذ لم يستقبلك بما يجب لك » « 27 » فزادني ذلك غما ، فقال لي الرجل الذي جمع الغلام بيني وبينه : « هل أصلحت موضعا ؟ » قلت : « لماذا ؟ » قال : « هذه العشرون جملا محملة طعاما كلها لك » فسري عنّي وسررت سرورا كثيرا . وكان القمح في ذلك [ الوقت ] « 26 » القفيز بدنانير كثيرة . وأقبلت وأنا أفكر فيما أبيع منه وما أبقي ، وكيف أصنع ، [ وأنا ] « 26 » في سرور عظيم . فبينا أنا على ذلك إذا بقوم محاربين قد خرجوا علينا وأحاطوا بنا وأخذوا كل شيء كان معنا ، وعرّونا من ثيابنا ، وأخذوا دوابنا ، وكتفت فيمن كتف ، فما مر عليّ غم مثله . فبينا أنا على ذلك ، وكانت ليلة مقمرة ، إذ مرّ بي أحد السلّابة ، فنظر إليّ وتأملني ثم قال لي : « من أنت ؟ » قلت : « أنا أبو الوليد المهري » فطأطأ عليّ وقبّل رأسي وعانقني ، ثم مضى [ عنّي ] « 26 » مسرعا ، ثم أتى بأصحابه وهو يقول لهم :

--> ( 22 ) زيادة من ( م ) . ( 23 ) في الأصل بدون اعجام . والاعجام من ( م ) . وقرأها ناشر الطبعة السابقة : مستورون . ( 24 ) في ( م ) : علف . وهو بمعنى واحد . ( 25 ) في ( م ) : مالك . ( 26 ) زيادة من ( م ) . ( 27 ) عبارة ( م ) : ان مولاي فارح بلقائك والاستماع لحديثك ، . وهو متأسف إذ لم يستقبك بما يجب لك .