عبد الله بن محمد المالكي

259

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

الحسن بذلك ، فأحب إدخال المنفعة عليه ، فقال له : « إني أذكر شأنك لولي العهد فأرجو أن يصلك بما تتحمل به إلى بلدك وتقوى به على ما أنت بسبيله » ، قال : فلما لقيه ذاكره أمره ، فقال له : « يأتي الحاجب يوم كذا وكذا فيوصله إلي » . قال : فأعلم محمد بن الحسن أسدا بذلك ، وأمره أن يمضي إليه للوعد ، وقال له : « اعلم أنك عندهم حيث تضع نفسك فإن أنزلت نفسك في مكان حسن أنزلوك ، وإن كان غير ذلك أنزلوك فيه . فلما كان ذلك اليوم مضى أسد فدخل على الحاجب فأجلسه ، ثم دخل إلى ولي العهد ، فخرج الحاجب وخادم معه ، فأمره بالدخول ، فدخل أسد والخادم بين يديه ، حتى انتهى به إلى موضع فأمره بالجلوس فيه حتى يرجع إليه . ومضى الخادم فأقام شيئا ثم رجع ومعه مائدة مغطاة فجعلها بين يديه وقال له : « كل » قال أسد : ففكرت فيما بيني وبين نفسي ، وقلت : « أهذه مكرمة أو منقصة ؟ ما أرى هذه إلا منقصة » . فقلت للخادم : « هذا الذي جئت به منك أو من مولاك ؟ » فقال : « مولاي أمرني أن آتيك به ، وهو أرسلني [ إليك ] « 26 » » ، فقلت : « إن مولاك لا يرضى بهذا : أن يكون ضيفه يأكل دونه ، يا غلام هذا بر منك ، وجبت مكافأتك [ عليّ ] « 27 » » ، قال : وكانت معي في جيبي أربعون درهما لم يبق معي [ من ] « 26 » نفقتي سواها ، فدفعتها إلى الخادم ، وقلت له : ارفع مائدتك ؛ فرفعها . ثم دخل فأعلم مولاه بالذي كان مني . قال : فبلغني أنه لما حكى له ما فعلت وما قلت ، قال : « حر واللّه الذي لا إله إلا هو » ثم خرج إليّ الخادم وقال لي : « ادخل » . فمضيت حتى دخلت عليه ، وهو على سرير ومعلمه على سرير قبالته وسرير ثالث خال ليس عليه أحد . فسلمت ، فأمرني بالجلوس على السرير الخالي ، فجلست . وأقبل يسألني وأجيبه ، فلما قرب انصرافي أخذ رقعة وكتبها وختمها ودفعها إليّ ، وقال لي : « قف [ بها ] « 28 » إلى صاحب الديوان ، وتعود إلينا إن شاء اللّه تعالى ، فلك عندنا ما تسر به » . قال : فأخذت الرقعة وخرجت وليس معي شيء ولا بقي معي من نفقتي شيء ، فاحتقرت الرقعة ، ولم أمض بها .

--> ( 26 ) زيادة من المعالم . ( 27 ) زيادة من المعالم . وفي المدارك : عليه . ( 28 ) زيادة من المعالم . وفي المدارك : بهذا .