عبد الله بن محمد المالكي
255
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
سنين ، ثم رحلنا إلى تونس فأقمت بها نحو تسع سنين . فلما بلغت ثماني عشرة سنة علمت القرآن ببجردة « 2 » . قال : ورأت أمي بها كأن حشيشا نبت على ظهري ترعاه البهائم ، فعبرت رؤياها عند معبر ، فقال : « سوف يكون عند هذا الغلام علم يحمل عنه » . كان قدومه القيروان سنة أربع وأربعين ومائة وهو ابن سنتين ، وسمع من علي بن زياد « الموطأ » وتعلم منه العلم بعد أن ارتحل من بجردة إلى تونس . ثم ارتحل إلى المشرق ، فلقي مالكا وواظب عليه ، وطلب عليه العلم وسمع منه « الموطأ » . ثم ارتحل إلى العراق فلقي أصحاب أبي حنيفة : أبا يوسف ، وأسد بن عمرو « 3 » ومحمد بن الحسن . وكتب الحديث بالعراق وتفقه بها ؛ ثم رحل من العراق - بعد وفاة مالك بن أنس رضي اللّه تعالى عنه - إلى مصر ، فوجد أصحاب مالك بوفرهم فلزم ابن القاسم رحمه اللّه وأخذ عنه « الأسدية » ، وقدم بها إلى القيروان وسمعها منه خلق كثير مع « الموطأ » وغير ذلك من العلوم ، وانتشرت إمامته . ثم ولاه زيادة اللّه بن إبراهيم بن الأغلب قضاء إفريقية سنة ثلاث ومائتين ، فأقام قاضيا عليها يقضي بين أهلها بالكتاب والسنة ، حتى خرج لغزو « صقلية » فجاهد بها الروم وقاتلهم قتالا عظيما ، وكانت له بها آثار مشهورة ومقامات مذكورة ، وافتتح منها مواضع كثيرة ، ثم توفي رحمه اللّه تعالى من جراحات أصابته وهو محاصر « لسرقوسة » في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ومائتين ، ودفن بذلك الموضع . ومن بعض ما أسند عنه من الحديث : عنه عن مالك عن سهيل بن أبي صالح « 4 »
--> ( 2 ) عبارة الطبقات : في قرية على وادي بجردة . تبعا لتسميته في عهد الرومان Bagrada ثم قلبت باؤه ميما . وهو من أشهر أنهار البلاد التونسية . ينظر عنه : تعليقات المرحوم ح . ح . عبد الوهاب على طبعة الرياض الأولى . وجغرافية السيّد البشير صفر ص 130 . ( 3 ) في الأصل : بن عمر . والمثبت من المصادر . وهو أسد بن عمرو بن عامر ، أبو المنذر البجلي كوفي الأصل ، من كبار أصحاب أبي حنيفة . تولّى قضاء واسط . اختلف علماء الحديث في توثيقه . توفي سنة 190 . لسان الميزان 1 : 383 - 385 . ( 4 ) سهيل بن أبي صالح ذكوان السمّان ، مدني ، صدوق . مات في خلافة المنصور . تقريب التهذيب 1 : 338 .