عبد الله بن محمد المالكي
244
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
فإذا بشيخ قائم يصلّي ، فلما سلم أبو خارجة من صلاته استل سيفه ثم قصده وهو يقول : « أعليّ تجسر ؟ » ، فلما رأى عزمه انقمع منه ، فإذا به إبليس اللعين ، أراد أن يلبس عليه صلاته ويدخل عليه الفتنة فحماه اللّه عزّ وجلّ منه . عيسى بن مسكين قال « 20 » : « كان أبو خارجة كثيرا ما يقول : لا تمرّ الليالي والأيام حتى تمتحى « 21 » كتب أبي حنيفة من إفريقية » . فكان كذلك : محاها اللّه عزّ وجلّ بسحنون ، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين . وكانت تذكر عنه أعاجيب من الإنذار بالحوادث التي تحدث في آخر الزمان ، وكانت عنده في ذلك أحاديث يرويها عن شيوخه ، ومن عنده أخذها عيسى بن مسكين . وكان سحنون يعظم أبا خارجة ويعرف حقه : عيسى بن مسكين قال : كان رجل ينزل عنده أبا خارجة إذا مر به ، وكان سحنون أيضا ينزل عنده إذا مر به ، فنزل به مرة سحنون فبينما هو عنده إذ جاء رجل يستأذن ، فإذا به أبو خارجة ، فقام الرجل ليلتمس له موضعا غير موضع / سحنون ، فمنعه سحنون من ذلك ، وقال له : « بل يكون معي في موضعي » فأذن له الرجل فدخل وسلم ، فرد عليه سحنون السلام وأكبره وعظمه ومد إليه يده فصافحه ثم جلس أبو خارجة . وجاء رجل فسأل سحنونا عن مسألة فقال له سحنون : « سل أبا خارجة » ، وامتنع أن يجيب بحضرته إجلالا له وتعظيما . قال : فسأل الرجل أبا خارجة فأجاب بجواب لم يوافقه سحنون عليه . قيل لعيسى : « فما أنكر عليه سحنون ؟ » فقال عيسى : « سحنون كان أحكم من ذلك » . قال عيسى : كان رجل بغدادي يود لو رأى أبا خارجة ، قال : فنزل أبو خارجة يوما قريبا من موضع الرجل ، قال : فلما سمع بخبره أتاه فسلم عليه وصافحه وعانقه وقال له : « أنت أبو خارجة ؟ » فقال : « نعم ، أنا أبو خارجة « تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ! » « 22 » - تواضعا منه ، رحمه اللّه تعالى .
--> ( 20 ) النصّ في المدارك 3 : 320 . ( 21 ) كذا في الأصل . وهي لغة ضعيفة في امّحى . ( القاموس : محو ) ، وفي ( م ) والمدارك : تمحى . ( 22 ) من الأمثال المشهورة . تقدم تخريجه قريبا في ترجمة البهلول ابن راشد .