عبد الله بن محمد المالكي
245
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
وكان عالما بالعربية وعبارة الرؤيا : روى عيسى عن أبي خارجة [ أنه قرأ ] « 23 » أن المشط يذهب الوباء ، بالتصحيف . وحضره رجل أعرابي فقال له : « يا أبا خارجة ، انظر في هذا الحرف إنما هو « الوناء » بالنون » . فتفكر أبو خارجة قليلا ثم قال : « نعم واللّه ، هو الوناء وهو الضعف والكلل ؛ ودليل ذلك قوله تعالى ( وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي ) « 24 » يعني تضعفا » . قال : وشكا نبي من الأنبياء إلى اللّه عزّ وجلّ الضعف في قومه ، فأمره أن يأمرهم أن يأكلوا لحم الثنيان باللبن . وعنه ، رضي اللّه تعالى عنه « 25 » : أنه خرج إلى « سوسة » فنزل في بعض الطريق واستلقى ، وقال لأصحابه : « يأتيكم الساعة رجلان على دابة ، فيسألان عن شيء فيسمعان ما يكرهان » « 26 » . فبينما هم كذلك إذ أقبل رجلان على بغلة فسألا عن الشيخ أبي خارجة فأخبرا ، فقالا له : رجل له عجل رأى في المنام كأنه خالفه إلى خمير « 27 » عنده فأكله . فقال له أبو خارجة : هذا رجل يخالفه « 28 » إلى أهله . فقال [ أحد ] « 29 » الرجلين لصاحبه : « قد نهيناه من دخوله إليه فلم ينته » . وكان رحمه اللّه تعالى ممن ينطق بالحكمة : عن أبي عثمان سعيد بن حسان أنه قال : أوصى أبو خارجة بعض إخوانه فقال : يا عبد اللّه ؛ أوصيك بوصية : وهي أن تكون ذاكرا غانما أو ساكتا سالما ، وإياك وكثرة الكلام : إن العبد يسأل يوم القيامة عن فضول كلامه كما يسأل عن فضول ماله ، وإياك وكثرة الضحك : فإنه يميت القلب ، ويذهب بنور الوجه ، ويورث الفقر .
--> ( 23 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 24 ) سورة طه آية 42 . وقارن بتفسير ابن كثير 3 : 153 . ( 25 ) النصّ في المدارك 3 : 318 . ( 26 ) في الأصل : فتسمعا ما تكرها . وفي المدارك : فتسمعون ما تكرهون . والتصويب للناشر الأول . ( 27 ) في الأصل حميره ، حرفه الأول مهمل . وقرأه ناشر الطبعة السابقة : حميرة . والمثبت من المدارك . والخمير : العجين أو الخبز . ( اللسان : خمر ) . ( 28 ) في الأصل : يخالف . والمثبت من المدارك . وروايته : عبد خلاسي يخالفه . ( 29 ) زيادة من المدارك .