عبد الله بن محمد المالكي

227

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

فأحببت أن تكون براءتي عندك ، ولا أبالي بغيرك ، فاستنكهني » ، فاستنكهه ابن غانم فوجده بريئا مما قال ؛ فشكر له ذلك . زياد بن يونس السدري ، [ قال ] « 95 » كان « 96 » لابن غانم كاتب ، وكان من عادته أن يتقدم إلى مقعده في الجامع فيجلس حتى يأتي ابن غانم ، وكان من عادة القاضي أن يبعث بديوانه مختوما مع وصيف له ، فيبقى بحاله إلى أن يأتي ابن غانم فيركع ركعات ثم يجلس ، فإذا رأى طابعه « 97 » بحاله فكّه ، قال : فتقدم الكاتب يوما كما كان يفعل ، فبينما هو جالس إذ أتاه كتاب ابنه من باديته ، فجاء وصيف ابن غانم بالديوان على عادته فناوله الكتاب ، فأخذه منه ، ثم فك كتاب نفسه ليقرأه ، فوافق ذلك دخول القاضي ، فأبصر الكتاب في يده ، فبادر الكاتب بالكتاب فأدخله في كمه ، فأتى ابن غانم وما يبصر طريقا من شغل قلبه ، فركع ركعتين خفيفتين ، وعلى وجهه الكآبة والغضب ، ثم سكت وجلس ، فناوله الكاتب القمطر كما تقدمت عادته ليرى ابن غانم طابعه ويفكه ؛ فصاح عليه ابن غانم : « كف ! » فكف ، ثم طأطأ ابن غانم ثم تنهد ، ثم رفع رأسه وهو يقول : « اللّه أحق أن يؤثر ، ليس في الحق من حشمة . ما هذا الكتاب الذي في كمك ؟ » فاستحيى الكاتب واحمر لونه ، ودهش ثم قال : « أصلحك اللّه ، كتاب أتاني من البادية أخبروني فيه أن الزريعة قد فرغت ، فابعث إلينا بالزريعة » فقال له ابن غانم : « لا بد من إخراجه » فأخرجه له ، فقرأه ابن غانم فأصابه كما قال ، فسرى عن وجه ابن غانم ما كان ظهر عليه من الكآبة ، ثم أمره بفك الطابع ، ففكه وأخذ في النظر بين الناس . وهذا غاية في التوقي والاحتياط . أبو محمد بن أبي زيد ، رضي اللّه تعالى عنه ، عن عبد اللّه بن سعيد بن الحداد ، عن أبيه ، قال « 98 » : حدثت عن القاضي ابن غانم أن اليوم الذي كان يجلس

--> ( 95 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 96 ) انفرد الرياض بهذا الخبر . ( 97 ) الطابع : الخاتم . والطبع والختم : واحد . والطبع أيضا : أيسر من الإقفال والاقفال أشد من ذلك كله . ( اللّسان : طبع ) . وربما كان هذا المعنى الأخير هو المقصود هنا . وقارن بما جاء في ملحق القواميس 2 : 23 . ( 98 ) الخبر في تاريخ إفريقية ص 231 والمدارك 3 : 69 والمعالم 1 : 295 .