عبد الله بن محمد المالكي

228

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

فيه للنظر بين النساء يلبس فيه فروا دنيّا « 99 » ويلقى عينيه بالأرض . والذي لم يكن رآه قبل ذلك الوقت يتوهم أنه مكفوف البصر . وكان يزيل الكتّاب والحجّاب من بين يديه إذا جلس للنظر بين النساء . قال ابن الحداد « 100 » : وبلغني أنه كان إذا أشرف على إنفاذ حكم لأحد يصلي حزبه من الليل ، فإذا جلس في آخر صلاته عرض من أراد أن يحكم له ، على اللّه عزّ وجلّ ، ويقول : « اللهم إن فلانا خاصم إليّ فلانا وادعى عليه بكذا وكذا ، فسألت فلانا عما ادعى عليه فأنكر ، فسألت فلانا هل عنده فيما يدعيه بينة ، فأحضرني بينة ، فرضيت حالها وصحت عندي عدالتها بكشفي عنها سرا وعلانية ، وقد أشرفت على أن أدفع من مال فلان إلى فلان كذا وكذا . اللهم إن كنت أشرفت من ذلك على حق وأمر ترضاه فسدّدني له ووفقني ، وإن كنت لم أوفق ولم يكن ذلك كذلك فاصرفه عني . اللهم لا تسلمني ! اللهم سلمني ! » ؛ فلا يزال يعرض الخصوم على ربه عزّ وجلّ ويسأله التوفيق والتسديد حتى يطلع الفجر . وذكر « 101 » سليمان بن عمران ، في صبره وحلمه ، أن رجلا يقال له ابن زرعة له جاه ورئاسة لقي يوما ابن غانم ، فشتمه في وجهه في موضع خال ليس فيه أحد ، وذلك لأنه « 102 » حكم عليه بوجه حق ترتب عليه . فاستعداه « 103 » لذلك ، فأعرض عنه ابن غانم ولم يرد عليه شيئا ، فلما كان بعد ذلك ، لقيه بطريق « الرّيدان » « 104 » فسلم عليه ابن زرعة ، فرد ابن غانم السلام ورحب به ، ومضى به معه إلى منزله بالرّيدان ، وأكرمه وعمل له طعاما كثيرا ، ثم رجع ابن غانم إلى القيروان ومعه ابن زرعة ، فلما أراد مفارقته قال ابن زرعة لابن غانم : « يا أبا عبد الرحمن ، اغفر لي واجعلني في حلّ مما كان « 105 » من خطابي » ، فقال له ابن غانم : « أما هذا فلست أفعله

--> ( 99 ) في الأصل : دنسا . والمثبت من المعالم . ورواية تاريخ إفريقية القرق الدني . وفي المدارك : الفرو الخشن . ( 100 ) النصّ برواية قريبة من هذه في المدارك 3 : 69 - 70 والمعالم 1 : 294 . ( 101 ) الخبر في المدارك 3 : 75 ( ملخصا ) وفي المعالم 1 : 308 بنصّه وإسناده . ( 102 ) في الأصل : انه . والمثبت من المعالم . ( 103 ) كذا في المعالم أيضا . ويعني : عاداه . ( 104 ) ينظر تعليقنا أعلاه رقم 60 . ( 105 ) في الأصل : مع ما . والمثبت من المعالم .