عبد الله بن محمد المالكي
226
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
يظن أن ابن غانم خلفه ، فلما صار إلى باب دار الإمارة افتقده ، فأعلموه أنه فارقه من ذلك الموضع ، فبعث في طلبه ، فأتاه فقال له : « ما حملك على أن عطفت عني وفارقتني ؟ » قال : « أصلح اللّه الأمير ؛ إنما القاضي بحرمته ، وإنما تنفذ أحكامه بقدر وفور جاهه ، وإني [ رأيتك ] « 90 » حركت دابتك ، ولو حركت دابتي سقطت قلنسوتي ، وإذا سقطت قلنسوتي انكشف رأسي وضحك عليّ الصبيان » . ويروى أن إبراهيم قال لابن غانم : « إنك فعلت اليوم فعلتين قبيحتين ، إحداهما منعك « 91 » قراءتي كتابك ، والثانية مفارقتك لي » . ثم عاتبه على ذلك وأظهر الغضب وقال له : « أو ما علمت أن في الأخبار أن إبراهيم الأمير يقتل عبد اللّه القاضي ؟ » فقال له ابن غانم : « لست أنت ذلك الأمير ، ولا أنا ذلك القاضي . ذلك الأمير ولدك ، والقاضي هو غيري » . فقدّر أن كان ذلك إبراهيم بن أحمد والقاضي عبد اللّه بن طالب . وكان « 92 » من إكرام الخليفة لابن غانم وإجلاله له ما يفوق المقدار ، حتى [ إنه ] « 90 » كان إذا كتب كتابا لإبراهيم يقول في كتابه : « وأنا أعلمك أني لا أفك لك كتابا حتى يكون مع كتابك إليّ كتاب ابن غانم » . فكان إبراهيم لذلك « 93 » أشد الناس وأكثرهم مداراة لابن غانم ، وكان كثير الإكرام له والتعظيم . وكان « 94 » إبراهيم بن الأغلب يصلي بالجامع المكتوبات كلها ، فخرج ليلة من الليالي من داره ، دار الإمارة ، فدخل الجامع لصلاة العتمة ، وكان مشغول القلب فعثر على حصير فسقط ، فلما صلّى بالناس وانصرف ، بعث في طلب ابن غانم ، فأتاه الرسول / وقال له : « الأمير يدعوك » فتغير ابن غانم عند ذلك وقال : « في مثل هذا الوقت يوجه ورائي ؟ » ثم لم يجد بدا من أن قام إليه . فلما دخل عليه قال له : « يا أبا عبد الرحمن ؛ إني لم أبعث إليك إلا لخير . إني لما دخلت المسجد اشتغل قلبي عن حفظ نفسي ، فعثرت على حصير فسقطت ، فظننت بالناس أنهم حسبوا أني منتبذ ،
--> ( 90 ) زيادة من المعالم . ( 91 ) في الأصل : أحدهما لمنعك . ( 92 ) الخبر في المعالم 1 : 302 . ( 93 ) في الأصل : عند ذلك . والمثبت من المعالم . ( 94 ) الخبر في المعالم 1 : 302 - 303 .