عبد الله بن محمد المالكي
208
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
ابن الحداد قال « 62 » : « حدثتني أمي عن غزيل سرية البهلول قالت : أقمت مع البهلول ثلاثين سنة فما رأيته نزع ثوبه عن جسده قط ، ولا رأيته مصلّيا نافلة قط . كان يأتيني فيرقدني كما ترقد الأم ابنتها ، ثم يدخل المرحاض ، فيتهيأ للصلاة ، ثم يصعد إلى غرفته « 63 » فيغلقها بيني وبينه ، فما كنت أدري أحيّ هو أو ميت ؛ غير أني كنت أسمع سقطته من آخر الليل ، فأظن أنه استثقل نوما فسقط » . حدث بعض مشايخنا قال « 64 » : دخل معتّب « 65 » بن رباح على البهلول في مسجده فقال له البهلول : « يا أبا أحمد ، ما جاء بك ؟ » فقال : « يا أبا عمرو ، قد عزمت العام على الخروج إلى الحج » فقال له : « يا أبا أحمد ، أما كنت حججت ؟ » فقال : « نعم ، قد حججت ، ولكني اشتقت إلى بيت اللّه الحرام وإلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام » ، فقال له البهلول : « فكم هيّأت لخروجك ؟ » فقال : « مائة دينار » فقال له البهلول : « فهل لك أن تأتيني بها ، فأصرفها في مواضع ، وأضمن لك على اللّه عزّ وجلّ عشر حجج مقبولة ؟ » فقام معتّب « 65 » سريعا فأتى بالصرة ، فأفرغها البهلول تحت جلد كان قاعدا عليه ، وقعد معتّب « 65 » بن رباح ، فلم يزل يدخل الرجل فيعطيه خمسة ، وآخر يعطيه ثمانية ، وآخر يعطيه عشرة ، فواحد يقول له : « تزوج منها ، وعش بالباقي » ، وآخر يقول له : « وسّع « 66 » بها على عيالك وصبيانك » ، وآخر يقول له : « استر بها وجهك » ، فلم يقوما « 67 » حتى نفدت المائة . وكان « بالسدرة » « 68 » بالقيروان رجل صالح يقال له أبو سليمان الأعمى ، وكان من أهل الدين والفضل ، وكان ربما أدلج إليه صقلاب بن زياد الهمذاني « 69 » ودنيج « 70 » وأبو
--> ( 62 ) الخبر في الطبقات ص 57 والمدارك 3 : 91 . ( 63 ) في الأصل : غرفة . والمثبت من ( م ) والمصادر . ( 64 ) الخبر في المدارك 3 : 94 والمعالم 1 : 271 - 272 . ( 65 ) في الأصل : مغيث . والمثبت من المصادر . وترجم أبو العرب لمعتب بن رباح وأشار إلى صحبته للبهلول ( الطبقات ص 122 ) . ( 66 ) في الأصل : عد بها . وفي المدارك : أنفقها . وأخذنا برواية المعالم . ( 67 ) في الأصل : يقوم . والمثبت من المعالم . ( 68 ) يسميها أبو العرب ( الطبقات ص 120 ) : حارة السدرة . وهي من أحياء مدينة القيروان . ( 69 ) سيترجم له المؤلف تحت رقم 88 . ( 70 ) كذا في الأصل بالدال في أوله . وترجم له أبو العرب ( الطبقات ص 90 ) ورسم حرفه الأول زايا وأشار إلى صحبته للبهلول .