عبد الله بن محمد المالكي

206

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

وعليها ثياب مصبّغة « 46 » وهي طفلة ، فقال : « ما أحببت « 47 » شيئا حبّي لها ، وإني أحبّ لو قدمتها » . فانصرفت عنه ، ثم عدت إليه فأصبت الناس « 48 » مجتمعين على بابه ، فقلت : « ما للناس « 49 » ؟ » فقيل لي : « توفّيت ابنة البهلول » فدخلت إليه ، فلما عزّيته وولّيت عنه ، لحقني فقال لي : « سألتك باللّه ، لا تذكر لأحد ما كان مني ما دمت حيا » ، يريد ما كان منه في تمنيه في صدر ذلك اليوم لموت ابنته ، فقلت له : « واللّه لا ذكرته ما دمت حيا » . حدث « 50 » أحمد بن إبراهيم ، قال : « دفع بهلول دينارين إلى رجل وأمره أن يشتري له بهما زيتا من الساحل يستعذبه « 51 » له ، فلما انتهى الرجل إلى الموضع سأل عن الزيت العذب فذكر له انه عند رجل نصراني ، وليس بالموضع زيت أعذب منه ، فانطلق إليه فسأله أن يبيع منه بالدينارين ، وقال : إنما أردته للبهلول . فقال له النصراني : « فنحن نتقرب إلى اللّه بالبهلول كما تتقربون به إلى اللّه تعالى » ، فأعطاه بديناريه من ذلك الزيت الذي ليس بالموضع أعذب منه مقدار ما يباع بأربعة دنانير من الزيت الدون « 52 » ، ثم قدم على بهلول فأخبره بجميع ما صنع مع النصراني ، وما سمح له به ، وما قال له . فقال له البهلول : « قد قضيت حاجة فاقض الأخرى : أردد عليّ الدينارين . فقال له الرجل : « ولم ، أصحك اللّه ؟ » قال : « ذكرت قول اللّه عزّ وجلّ : ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) « 53 » ، فخشيت أن آكل من زيت النصراني فتحدث له مودة في قلبي ، فأكون ممن وادّ من حادّ اللّه ورسوله على عرض من الدنيا يسير » .

--> ( 46 ) في الطبقات والمدارك : مصبوغة . ( 47 ) في الأصول : ما أحب . والمثبت من الطبقات والمدارك . ( 48 ) في الأصل : فإذا الناس . وأخذنا بما في ( م ) والطبقات والمدارك . ( 49 ) في الأصل : ما للناس مجتمعين . وقد رأينا الاستغناء عن كلمة « مجتمعين » كما في ( م ) والطبقات والمعالم . ( 50 ) الخبر في الطبقات ص 56 - 57 ، والمدارك 3 : 98 والمعالم 1 : 268 . ( 51 ) في الطبقات : ويستعذبه . ( 52 ) عبارة الطبقات : من الزيت الدنيء . وفي المدارك : من دنيء الزيت . ( 53 ) سورة المجادلة آية 22 .