هلال بن محسن الصابي

389

الوزراء

حرصه على أمور الدنيا مع حضور أجله . فمضيت ومعي العباس إلى دار السلطان وجلسنا على انتظار إذنه ، ثم أذن لنا فدخلنا . فلما حصلنا في وسط دهليز الصحن السبعينىّ استدار العباس فصار في وجهي وقال لي : واللّه لئن ألقيت هذا الأمر إلىّ ونزلت عنه لي لأكونن فيه من قبلك ومتصرّفا على أمرك . فعجبت من قوله وقلت : ستعلم ما يجرى ، وأرجو توفيق اللّه تبارك وتعالى . ووصلنا إلى الخليفة وأوصلت الرّقعة . فلما قرأها سأل عن خبره ، فعرّفته أنه في آخر رمقه وما نقدّر أننا نلحقه فدمعت عيناه ثم التفت إلىّ وجعل يخاطبني مخاطبة من قد ردّ الأمر إلىّ واعتمد فيه علىّ . وقال لي في عرض قوله : أنت يا علىّ في نفسي مذ كنت بالرّقّة ، وأنا أعرف أخبارك وأشاهد آثارك ، وقد آل الأمر الآن إليك ووقع اختياري عليك ، فتتجرّد في القيام به وإزالة الخلل عنه ، وتفعل وتصنع . قلت : أنا يا أمير المؤمنين رجل ضيّق العطن وفىّ استقصاء وشدة لا يصلحان لمتولّى هذا الأمر وشغلى بما أخدم فيه طويل عريض ، وإن نقلت إلى ما هو أكثر منه بعلت « 1 » ووقفت . فراجعنى القول وراجعته في الاستعفاء وقلت : وهذا العباس أعرف بما كان القاسم عليه من طرق الخدمة ، وإن عوّل عليه كنّا أعوانه وأعضاده . قال : فتضمن لي القيام بالشّدّ منه حتى يستقيم ما يناط به ؟ قلت : أفعل وأبذل عمّن يلينى من الكتّاب مثل ذلك . فدعا بالدّواة وكتب الجواب بالتوجّع والدّعاء وقال : فإن - أعوذ باللّه - بليت فيك بما لا أقدر على دفعه فلن أعدل عن اختيارك ورد الأمر إلى من أشرت به . فأما الولد والحرم فأولادى وحرمي ، واللّه يصونهم ببقائك ويدفع لنا عن حوبائك « 2 » .

--> ( 1 ) بعل : تحير فلم يدر ما يصنع . ( 2 ) عن حوبائك : عن نفسك .