هلال بن محسن الصابي

379

الوزراء

مخرج التنادر ، وسمع صاحب الخبر ذلك ، فكتب به إلى الوزير ، ودعاه من وقته ، فلما وقف بين يديه قال له : أعد قولك في معنى الرّزق . فاضطرب وتحيّر ، فقال له : أعد ويل لك . فقال : إنما كان قولي على وجه التعجّب من نظر الوزير الدقيق في الأمر القليل : فقال : لا تتعجب من ذلك فإن لكل أمر حظّا من النظر والتفقّد ، ولو لم نتفقد الصغير لأضعنا الكبير ، وهذه أمانة لا بدّ من أدائها في قليل الأمور وكثيرها . وكما أنّا نظرنا في هذا الدقيق ساعة فكذلك ننظر في الجليل ساعة نظرا يؤدى إلى استخلاص البلد العظيم ، وتحصيل المال الجسيم وإعادة الشاذّ إلى الطاعة ، ونأتى من التّوفير بما يضعّف على أرزاقنا للسنين الكثيرة . وإذا علم معاملونا أنّا نراعى أمورهم هذه المراعاة لزموا الأمانة وخافوا الخيانة . اخرج ودع الفضول . فخرج وعمامته في يده . وحدث عبد الرحمن بن عيسى قال : حدثني أحد الخدم الخاصّة قال : حضر أبو الحسن علىّ بن عيسى دار السلطان في يوم شديد البرد ، وليس بيوم موكب ، وعرف المقتدر باللّه خبره ، فجلس له في بعض الصّحون على كرسىّ ورأسه مكشوف . فخاطبه في معنى ما حضر له ، فلما فرغ قال له : يا أمير المؤمنين تبرز في مثل هذه الغداة الباردة . وتجلس في هذا الصحن الواسع ، ورأسك بغير غطاء ، والناس في مثلها يجلسون في المواضع الكنينة ، ويستعملون من الدثار ما يستعملونه ، وأحسبك تسرف في أخذ الأشربة الحارّة ، والأطعمة الكثيرة المسك . فقال المقتدر باللّه : لا واللّه ما أفعل ولا آكل طعاما فيه مسك ولا يطرح لي في شئ إلا يسير يكون في الخشكنانج ، وربّما أكلت في الأيّام واحدة منه . فقال له الوزير : فإني أطلق يا أمير المؤمنين في كلّ شهر في جملة نفقات المطبخ لثمن المسك نحو ثلاثمائة دينار . وانقضى كلامهما ، ونهض المقتدر باللّه وخرج الوزير . فلما صار في الصّحن وقف