هلال بن محسن الصابي

370

الوزراء

اللّه أمير المؤمنين فيما استرعاه من أمور المسلمين مؤثرا ما يرضيه ، مثابرا على ما يزلف « 1 » عنده ويحظيه ، وما توفيق أمير المؤمنين إلا باللّه ، عليه يتوكل ، وبه يستعين . وقد عرفت حال السّجزيّة والخرّميّة الذين تغلّبوا على كور فارس وكرمان ، واستعملوا الجور والعدوان ، وأظهروا العتوّ والطّغيان ، وانتهكوا المحارم ، وارتكبوا العظائم ، حتى أنفذ أمير المؤمنين جيوشه إليهم ، وتورّد بها عليهم ، فأزالهم وأبادهم ، وشتّتهم وأبارهم « 2 » بعد حروب تواصلت ، ووقائع تتابعت . أحلّ اللّه بهم فيها سطوته ، وعجل لهم نقمته ، وجعلهم عبرة للمعتبرين ، وعظة للمستمعين . « وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ » « 3 » ولمّا محق اللّه أمر هؤلاء الكفّار ، وفرّق عدد أوباشهم الفجّار ، وجد أمير المؤمنين أفظع ما اخترعوه ، وأشنع ما ابتدعوه ، في مدّتهم التي طال أمدها ، وعظم ضررها ، تكملة اجتبوها بكور فارس في سنى غوايتهم لمّا طالبوا أهلها بالخراج على أوفر عبرتهم « 4 » من غير اقتصار فيه على الموجودين ، حتى فضّوا « 5 » عليهم خراج ما خرب من ضياع المفقودين ، فأنكر أمير المؤمنين ما استقرّ من هذا الرسم الذميم ، وأكبر ما استمرّ به الظلم العظيم ، ورأى صيانة دولته عن قبيح معرّته ، وحراسة رعيته من عظيم مضرّته ، مع كثرته ووفور جملته . فارفع عن الرعيّة هذه التّكملة رفعا مشهورا ، فقد جعل اللّه من سنّها مدحورا . وناد في المساجد الجامعة بإزالتها وإبطال جبايتها . ليذيع ذلك في الجمهور ، ويتمكّن السكون إليه في الصدور . ويحمد اللّه الكافّة على ما أتاحه اللّه لها من تعطّف أمير المؤمنين ورعايته ، وجميل حياطته

--> ( 1 ) أزلفه : قربه . ( 2 ) أبارهم : أهلكهم . ( 3 ) الآية 102 من سورة هود . ( 4 ) العبرة من معانيها : الأصل الذي ترد إليه النظائر . ( 5 ) فضوا : قسموا وفرقوا .