هلال بن محسن الصابي
358
الوزراء
في سنة خمسين وثلاثمائة ، وقد تقلّبت به الأيام وبأهل بيته ، وهو بحضرة أبى محمد المهلبي ، وقد كان العيّارون ثاروا بمدينة السلام وأوقعوا فتنا عظيمة ، أصلها أن عربد رجل عباسى على رجل علوي في خندق طاهر وهما على نبيذ ، فقتل العلوي ، ونفر أهله واستغاثوا لأجله ، ودخل العامة بين الفريقين ، وشرفت « 1 » القصة إلى ما احتيج معه إلى إقامة الديلم في الأرباع وترتيبهم في كثير من الأصقاع ، وحتى أغلق العباسيون باب المسجد الجامع بالمدينة ، ومنعوا من صلاة الجمعة ، وزادوا في إشعال النائرة . ودبر أبو محمد الأمر بأن قبض على جماعة من وجوه العباسيين وكثير من المستورين والعيّارين ، وأدخل فيهم عدّة قضاة وشهود وصلحاء عباسيين ، وكان منهم أبو بكر بن عبد العزيز . ثم جلس لهم وأحضرهم وناظرهم ، وسامهم أن يسمّوا له العيارين وحملة السكاكين ليقتصر على أخذهم ، ويفرج عن الباقين ، وأن يضمن أهل الصلاح منهم أهل الريبة ، ويأخذوا على أيديهم أخذا يحسم به موادّ الفتنة . فأخذ القاضي أبو الحسن محمد بن صلح الهاشمي يقول قولا سديدا لطيفا في دفع ذلك واستعطاف أبى محمد المهلبي وترقيقه ، والرفق به وتسكينه ، واعترض أبو بكر بن عبد العزيز الخطاب ، وقال قولا فيه بعض الجفاء والغلظة . فقال له أبو محمد : « يا ماص كذا وكذا ، ما تدع جهلك وتبسّطك ، ولا تخرج هذه الخيوط من رأسك ، كأني لا أعرفك قديما وحديثا وأعرف حمقك وحمق أبيك وتدرّعك « 2 » في مجالس الوزراء وإيثارك أن تقول : قال الوزير وقلت . ولعلك تقدّر أن المقتدر باللّه على السرير ، وأنني أحد وزرائه ، ليس ذاك كذلك ، السلطان اليوم الأمير معزّ الدولة « 3 » الذي يرى سفك دمك قربة إلى اللّه تعالى وينزلك منزلة
--> ( 1 ) شرفت : ارتفعت . ( 2 ) التدرع : الدخول في الشئ . ( 3 ) هو معزّ الدولة بن أبي شجاع بويه بن فنا خسرو البويهي : انظر ابتداء دولة البويهين في ابن الأثير حوادث 321