هلال بن محسن الصابي
253
الوزراء
وأقعده عن يمينه ، وأقبل عليه بوجهه ، وزاد في تقريبه وبسطه ، ونظر بعض الجماعة إلى بعض واجمين بما يشاهدونه ، ومتعجبين من انعكاس ما كانوا يقدّرونه . ثم نهض أبو الحسن منصرفا إلى داره ، وصحبته ، ووصل فما استقر به مجلسه حتى سألته عن خبره ، وما جرى عليه أمره مع العباس ، فقال : دعاني ودخلت إلى حجرة ما دخلت إليها من قبل ، فوجدته جالسا خاليا بنفسه وبعض حواشيه ، فتقدّم إلى الحاجب بإخراج كلّ من يقرب من موضعه ، والجلوس على الباب ، ومنع كلّ من رام الدخول ، وانفردنا جميعا وبدأ يذكر ما يعتقده فىّ من الجميل ، وما هو عليه من المحاماة عنى ، وأنه قد حمل في أمرى على أشياء فوقف عنها مراعاة لحقّى . ثم قال : إن كان في نفسك من هذا الأمر - يعنى الوزارة - شئ سلّمتها إليك وخلّيت عنها لك ، على أن تحرسنى في نفسي ومالي وحرمي وولدى . فأعلمته أنني أحسن حالا منه مع الأثقال التي عليه ، وأنني أرجع من المال والنّعمة والأملاك والضيعة والجاه والقدرة إلى ما أستغنى به عن زيادة . وراجعنى مراجعة بعد مراجعة . فلما رآني مقيما على على حال واحدة قال . فإذا كان ذلك كذلك فأنا أتصور أن الأمر من بعدى صائر إليك ، وأوصيك بولدي وحرمي ، فقلت : بل يبقيك اللّه ويطيل عمرك ولا يخلى مكانك منك ، ولا يرينى سوءا ولا محذورا فيك . فلم يقنع إلا بأن استحلفنى ثم مدّ يده إلىّ وعانقنى وقال : أمرنا الآن واحدا ، ويدنا واحدة ، فلا تلتفت إلى هؤلاء الكتاب وأقوالهم ، ولا تفكّر في كلامهم وتشنيعاتهم ، وثق بما لك عندي من مزيّة المراعاة وزيادة المحاماة . فشكرته ودعوت له وأعلمته قوّة نفسي الآن به ، وخرجنا . فكان ما رأيت من فعله . قال أبو عبد اللّه : فسررت كلّ سرور بما حدثنيه . ثم ردّ العباس بعقب ذلك إلى أبى الحسن الزمام على علىّ بن عيسى . وأعفاه من ديوان الجيش ، وقد كان سأل القاسم بن عبيد اللّه إعفاءه منه فلم يفعل .