هلال بن محسن الصابي
239
الوزراء
على أرحاء عبد الملك وقد عطش ، فنظر إلى باب رحبة فيها دكّان ، عليه شيخ كبير اللحية ، نظيف البزّة ، له رواء وهيئة ، يعرف بالمرىّ ، فقال لأحد غلمانه : استسق لنا من هذا الشيخ ماء . ففعل الغلام ، وقام الشيخ مسرعا ، فجاء بثلجيّة نظيفة فيها ماء بارد ، فشرب وانصرف أبو العباس إلى منزله ، فلم ينزع خفّه حتى أنفذ من سأل عن خبره ، فتعرّف اختلال حاله ، فأمر بحمل مائتي دينار إليه ، وأجرى عليه في كل شهر عشرة دنانير برسم الكتّاب ، فما زال يقبضها حتى مات . وحدث أبو بشر بن فرجويه في وزارة أبى الحسن بن الفرات الثانية قال : بينما نحن في ليلة من الليالي الشتوية نعمل ؛ إذ خرج إلينا من حضرة الوزير أبى الحسن توقيع بخطّه مع خادم من خدمه ، وقد مضى من الليل قطعة ، يقول فيه : خرجت يا أبا بشر - جعلت فداك - لأهريق الماء ، فوجدت ريحا قد هبّ ، فوقفت حتى عرفتها ، وهي ريح إذا نشأت مرّت على السّكر « 1 » الفلاني من أنهار الجامدة وأفسدته وقطعته ، فاكتب الساعة إلى وكيلنا بهذه الناحية ، وإلى ابن المشرف المهندس في المصير إلى الموضع ومراعاته ، وإصلاح شئ إن كان اختل منه ، وإعداد آلة عتيدة تكون عنده ، ووكّد القول في ذلك غاية التأكيد ، ولا تعتمد على حامد بن العباس فيه ، فإنّه لا يهتمّ به . وقعد الخادم عندنا حتى كتبت الكتب . ومن طريف أحاديث أبى الحسن بن الفرات في معرفته بالأمور ما حدّث به أبو علىّ الحسن بن حمدون ، فإنه قال : كنت مع يوسف بن ديوداد بنواحي باب الأبواب « 2 » ، وهو السّدّ الذي كان أنوشروان عمله بين الخزر وأرض فارس ، وطول
--> ( 1 ) السكر : السد . ( 2 ) في الأصل الباب والأبواب ، وانظر معجم البلدان : باب الأبواب .