هلال بن محسن الصابي
240
الوزراء
السور مسيرة يوم ، وله مروحة في البحر طولها ستمائة ذراع ، تمنع مراكب الخزر من الدخول ، والباب من حديد ، والسور من حجارة مهندمة ، في كلّ حجر ثقبان فيهما عمودان من حديد ، قد صبّ عليهما الرصاص ، والمروحة التي في البحر على هذا العمل . فاتّفق أن سقطت هذه المروحة ، ودفعت يوسف بن ديوداد الضرورة إلى أن قصد الموضع ، ونزل عليه لإصلاحه ، وجمع المهندسين وذوى الخبرة بالأعمال ، فقدّروا له ستين ألف دينار تنفق على إعادة المروحة . وكتب إلى الوزير أبى الحسن ابن الفرات يعرفه الخبر ، ويعتذر إليه من تأخير المال الذي واقفه عليه بهذا الحادث الذي حدث في هذا الموضع ، فو اللّه ما كان إلا مقدار مسافة الطريق حتى ورد علينا كتاب ابن الفرات يقول فيه : فهمت كتابك - أطال اللّه بقاءك - بما شرحته من حال المروحة الساقطة ، وما قدّر لها من المال للنفقة . وقد قرأنا في الأخبار أن أنوشروان لإشفاقه على هذا الموضع أعدّ له ما يكفيه ، فأحضر مشايخ أهل البلد وذوى الأسنان العالية منهم ، وسلهم هل سقطت المروحة قبل هذه الدّفعة ؟ فإن كانت سقطت فقد استعملت الآلة فيها ، وإن كانت لم تسقط فاطلب الآلة وسل عنها فإنك تجدها ، وعرّفنى ما يكون منك إن شاء اللّه . قال ابن حمدون : فلما ورد الكتاب على يوسف أحضر المشايخ وسألهم عن ذلك ، فلم يجد أحدا يذكر أو يخبر أن هذه المروحة سقطت قبل هذه الدفعة ، وسألهم عن الآلة وموضعها فلم يكن فيهم من يعرف حديثها إلّا رجل منهم فإنه قال : سمعت مشايخي يتذاكرون خبرها ، وأنها مدفونة على قرب من المروحة . فلم يزل يفتّش عنها حتى وجدها وأخرجها ، فكانت كاملة من حجارة منحوتة منقوبة ، وأعمدة من حديد مفروغ منها ، ورصاص وسائر ما يحتاج إليه ، فاستعملها ، ولم يؤد من المال إلّا قدر أجرة الصّنّاع .