هلال بن محسن الصابي

219

الوزراء

أن يخرج عن يدك ما فيه لحن وخطأ ، ولعلّك فكّرت في شئ آخر من أمر الكتاب نفسه ، فقلت : لا بدّ من إحضاره ، فقال : توقّف قليلا . ثم قام وغاب لحظة وجاء ومعه صرّة فيها خمسون دينارا ، وقال : تلك مائة وهذه خمسون دينارا ، وليس في كلّ وقت يعرض مثل ذلك ، وكم في الدواوين من توقيع يجرى هذا المجرى ولا يؤبه له ولا يتنبّه عليه ؟ ورغبنى فيها ترغيبا كدت معه أن آخذها . ثم ذكرت محلّى من أبى العباس بن الفرات ، وموضعي من خدمته ، ومكان أخي منه ، وأنني أقدر أن أفيد معه وفي جملته الفوائد الكثيرة ، فتماسكت وامتنعت ، وعاودته المطالبة بالكتاب ، ووضع غلامي بين يديه المائة الأولى . فقال : أحبّ أن تتوقّف قليلا . وقام ثم رجع ومعه الكتاب وخمسون دينارا أخرى ، وقال : هذه مائتا دينار ، وهذا الكتاب ، فاختر ما تريده منهما وخذه . وأعاد من تهوين القصّة وتجديد القول الداعي إلى الرغبة ما كادت به يدي تمتدّ إلى الدنانير . ثم راجعت الفكر ، وأشفقت من ظهور الأعداء [ على ] الأمر ، وفساد الجاه ، وأخذت الكتاب ومزّقته ، ونهضت وركبت . فلما توسّطت الجسر رميته مخرّقا في الماء ، وعدت إلى منزلي ، وكنت أنزل بسوق العطش . وقد بقيت سدفة « 1 » من الليل ، فطرحت نفسي على الفراش ، ونمت نوما طيّبا . وزال ما كنت عليه من سوء الفكر واستشعار الخوف ، وأصبحت وسألت غلماني عما عندهم من الطعام ، وأنفذت إلى جماعة كانوا يعاشروننى . فحضروا وأكلنا ، وحضر النبيذ وشربنا ، وجاءني غلامي وقال : غلام أبى العباس بن الفرات بالباب يستدعيك . فأدخلته وأجلسته معنا ، فأكل وشرب ، وقلت له : عرّفه أنني عند بعض أهلي بالجانب الغربى . فمضى . ولم يبعد أن جاء غلام آخر يطلبنى ، ففعلت به كمثل فعلى بالأول ،

--> ( 1 ) الدفة : الظلمة .