هلال بن محسن الصابي

218

الوزراء

ما كان منى ، وتقلّبت على الفراش من غير أن يدخل النوم عينىّ ، وحدثت نفسي بالركوب وقصد الرّجل . وقد كان ذكر لي فيما جرى بيننا من الحديث أنّ منزله في الجانب الغربى في سكّة كذا من سكك المدينة ، فلم يمكن ذلك لأنه كان أوّل الليل ، ثم لم أزل على حالي في القلق طويلا ، حتى إذا زاد ما بي تقدّمت إلى غلماني بأن يسر جوالى وبالخروج إلى الشارع ، والمسألة عمّن بتلك الطريق ، فخرجوا وعادوا يذكرون أنه ما مرّ أحد . ثم أمرتهم بأن يسرجوا لي على كل حال ، وأسرجوا وحملوا بين يدي شمعة ، وركبت وسرت ، فإذا الشرائج « 1 » ممدودة ، وأبواب الدّروب مغلقة ، فما تهيّأ لي فتح شئ منها إلا ببرّ الحرّاس . ولم أزل على ذلك حتى انتهينا إلى رأس الجسر من الجانب الشرقي ، فكان الباب مقفلا ، فسأل الغلمان الموكّل به فتحه ، فأبى ، وبذلوا له دراهم عن ذلك فلم يقبلها . ووقفت إلى أن وافى فرانق « 2 » من قبل بدر غلام « 3 » المعتضد باللّه بكتاب منه إلى بعض أهل الدّولة النازلين في الجانب الغربى ، ففتح له الباب وجاز وجزت معه . ثم وصلت بعد اجتهاد إلى دار الرجل ، وتقدم غلماني إلى بابه فدقّوه ، وطالعهم من السّطح . وسألهم عما يريدونه ، فأشعروه بحضوري ، فأمهل قليلا ثم فتح الباب ، وأذن في الدخول ، ورآني فأنكر مجيئي في مثل ذلك الوقت ، وقال : لو كتبت إلىّ لجئتك ! فما الذي تحبّ الآن ؟ فقلت وقع علىّ سهو في الكتاب الذي كتبته لك ، وخفت أن يقع عليه من يتتبّعنى وتتطرّق من قوله قباحة علىّ . فقال : هذا قول لا يجوز على مثلي ، ومن المحال

--> ( 1 ) الشرائج جمع شربجة : وهي فلقة العود . ويعنى بذلك الأخشاب التي تترس بها الأبواب . ( 2 ) الفرانق : الرسول . ( 3 ) أمر بقتله المكتفى باللّه ، نظر مروج الذهب « ذكر جمل من أخبار المكتفى وسيره » وذلك في سنة 289 وله ترجمة في المنتظم 6 / 34 .