هلال بن محسن الصابي
215
الوزراء
ومرّ يوم حسن طيّب إلى وقت العصر ، وإذا العباس الفرغانىّ حاجبه قد دخل وقال : يا سيّدنا ، قد حضرت بدعة « 1 » الكبيرة وهي في طيّارها تستأذن للوصول . فأطرق مفكّرا ثم رفع رأسه وقال : ارفعوا ما هاهنا من الأواني . فرفع إلّا قليلا ، ونهضت المغنيات اللواتي كنّ قدّام السّتارة ، وأمره بالإذن لها . فدخلت ووقفت بحضرته ثم تقدّمت وقبلت يده وقالت : بلغني أن سيدي الوزير قد نشط للشّرب فحضرت للخدمة . فأمرها بالجلوس ، وجلست وطلبت العود ، فجىء به ، وغنّت فجوّدت ، واستحسن أبو الحسن ما أتت به ، وطرب عليه وشرب . ثم أخذ ربع قرطاس كان في دواته ، وكتب شيئا وقطعه ، ودفعه إلىّ وقرأته فكان : إذا بدعة جوّدت عودها * تذلّل في ضربها كلّ صعب تغنّى فتجنى ثمار القلوب * وتهدى سرورا إلى كلّ قلب فاستحسنت ذلك ، وكانت بدعة بالقرب منى . فقلت لها : اسمعى إلى ما وصفك الوزير به . وأنشدتها البيتين ، فسرّت وفرحت ، وقامت مسرعة فقبّلت يده ثمّ الأرض وعادت إلى موضعها وقالت : باللّه يا سيدي إلّا أعدت الشّعر علىّ حتى أحفظه ، ففعلت وحفظته وأدارته في حلقها ، وعملت له لحنا من وقتها ، ثم ضربت وغنّته . فجاء في نهاية الحسن . ونشط أبو الحسن ، وتقدّم بردّ المجلس ومن كان فيه إلى ما كان عليه . ولم يزل ذلك الصوت صوتنا عليها بقيّة ليلتنا . فقال أبو القاسم : فقلت لأبى عبد اللّه أبى : فلم كره حضور بدعة وهي من آلة الشرب وموصوفة بالحذق في ذلك الوقت ؟ قال لأنّه كان يتّهمها بنقل أخباره إلى المقتدر باللّه رحمه اللّه . قال أبو القاسم : وكان لأبى الحسن بن الفرات مطبخان في داره . فأما مطبخ
--> ( 1 ) لها ترجمة في المنتظم 6 / 129 توفيت سنة 302 .