هلال بن محسن الصابي
206
الوزراء
أقبلت ، فحرّك دابّته ومضى . فلم يبعد حتى أقبل العسكر ، وجاء قوم يسألونّى عن الخليفة هل رأيته ، وأين أخذ « 1 » . فقلت لهم : ما رأيت الخليفة . قالوا : فهل مرّ بك فارس على دابّة من صفته كذا ، وعليه من اللباس كذا وكذا ؟ قلت : نعم . قالوا : فأين مضى ؟ قلت : بين أيديكم ، فمن هو ؟ قالوا : المعتضد باللّه . فوقعت فيما لا ينادى وليده « 2 » ، وأقبلت أتذكر ما خاطبني به وأجبته عنه ، حذرا من أن يكون وقع خطأ منى أو طعن على إنسان ممن سألني عنه . وصرت إلى الديوان بالثريّا ، وأنا لا أعقل غمّا . فأنا في تلك الحال إذ خرج عبيد اللّه بن سليمان من حضرة المعتضد باللّه ، واستدعى أبا العباس بن الفرات ، وأعاد عليه كلّ ما جرى بيني وبين المعتضد باللّه ، وأحمد عنده ما كان منى في الإجابة عما سألني عنه ، وجزانى الخير . وخرج أبو العباس فاستدعانى ، وسألني عن حالي في طريقي فأعدت عليه خبر الفارس وجميع ما جرى بيني وبينه ، فصدّقنى فيه . وقال : إن الوزير أعاد علىّ مثله . وأقبل يحمد اللّه على حسن توفيقه إياي فيما خاطبته به . ثم أوصاني بالتحفّظ فيما أخاطب به من يسايرني . والاحتراس من زلل تقع فيه ، فصرت بعد ذلك لا أمرّ في طريقي إلا ومعي جماعة ، ومتى خاطبني إنسان تحرّزت منه غاية التحرّز . وحدث أبو القاسم قال : حدثني أبو عبد اللّه والدي قال : كنت يوما بحضرة أبى العباس بن الفرات في الديوان في دار السلطان إذ جاءه خادم برسالة من المعتضد باللّه - رحمه اللّه - يقول فيها : إنّه قد زوّج جارية في داره من « 3 » أحد غلمانه ،
--> ( 1 ) أين أحذ : أي طريق سلكه . ( 2 ) وقع فيما لا ينادى وليده . هو تعبير يراد به أنه وقع في أمر عظيم بحيث إن الشخص ينسى فيه ولده ولا يتذكر اسمه . ( 3 ) المعروف أن زوج تتعدى بنفسها أو بالباء قال تعالى : « وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ » * وقال تعالى : « فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها » . واستعلمت في العصور المتأخرة مع من