هلال بن محسن الصابي
205
الوزراء
إذ لحقني فارس فسايرنى ، وأقبل يحدثني ويسألني عن اسمى وكنيتي ومنزلي وصناعتي . فلما ذكرت له مكاني مع أبي العباس بن الفرات قال : كيف مذهبه في العمل ؟ قلت : أحسن مذهب ، يستقصى حقوق سلطانه ويستوفى مناظرة عمّاله ، ويجدّ في استخراج أمواله . قال لي : فكيف يجرى أمر هذا الوزير ؟ - يعنى عبيد اللّه بن سليمان - فإنني ما رأيت أشدّ تخليطا منه ، ولا أفظّ من حجّابه ، ولا أكثر إخلافا للمواعيد منه ، قلت له : وكيف ذلك ؟ قال : لأنى رجل من الفرسان قد أخّر عنّى رزقي ، وأحوجني إلى القدوم إلى الحضرة متظلّما منه ، وأنا أجتهد في أن يطلق لي ما وجب من رزقي فليس يلتفت إلىّ ، ولا يفكر فىّ ، وكلما رفعت إليه رقعة رمى بها ، ومتى وصلت إليه لم يخرج عليها توقيع ، فقد احترقت وهلكت وذهبت نفسي وطالت على بابه مدّتى ، فكيف يمكن هذا الرجل - وهو على ما وصفته لك - أن يعمل أعمال الخليفة ويدبّر أمر مملكته ؟ قلت له : الذي نعرفه من مذهبه ومعرفته وكفايته غير ما ذكرته عنه ، وما يدع شيئا إلّا نظر فيه ، ولا مظلوما إلّا أنصفه . قال : الذي يبلغني عنه أنه قد اصطلم الدنيا ، وأخذ الأموال لنفسه . فالجند يتظلمون ، وحاشية الخليفة يشكون ، والنواحي خراب . فقلت : ما أحد من الحاشية إلّا وهو راض ، والأموال كلها تحمل إلى الحضرة وقد حسب للعمّال أرزاق الشحن . والعمارة زائدة ، والأمور منتظمة . فقال : ما الآفة في جميع ما يجرى إلا هذا الغلام الذي قد رفعه الخليفة ، وأعطاه ما لا يستحقّه وصيّر الناس عبيدا وخولا له . قلت : ومن الغلام الذي تعنيه ؟ قال : بدر . وأقبل يطعن عليه ، ويتكلّم فيه . قلت : ما وضعه الخليفة إلا موضعه ، والرجال حامدون له راضون برئاسته . ثم حوّل وجهه فنظر إلى كوكبة « 1 » عظيمة من الفرسان قد
--> ( 1 ) كوكبة : فرقة وجماعة .