هلال بن محسن الصابي
200
الوزراء
فقال له بدر : خذ نحريرا وامض به إلى ديوانه وجئنى به . فجاءه به ، فلما رآه قال له : أمسيطر أنت على مولاي أم شريك له ؟ يقطعنى الإقطاعات فتمتنع منها وتعترض فيها ! فقال له : اسمع أيها الأمير قولي ، فإن ثبتت عندك حجّة لي فخفّض من لومى وإلا عملت بعدها ما رأيت . أنت تعلم أن قوام الملك بالمال ، وأن الجند لا يسمعون ولا يطيعون إلّا إن أعطاهم ، وإن عدموا المال كان ذلك الدّاعية القويّة إلى ذهاب الملك وسفك الدماء وانقطاع السّبل وانتهاك المحارم . وجميع المال في عنقي وعلىّ فإذا خرجت الضّياع من الإقطاع تبعها الخراج فتحيّفت الحقوق ، وأضيف إلى كل ناحية ما يجاورها ، وكان في ذلك ما لا خفاء به ممّا أعوذ باللّه منه . قال له : صدقت يا أبا العباس - أيّدك اللّه - ارتفع فإن الحقّ في يدك . وإنما تحرس بهذا الفعل نعمة مولاي من أن تزول ، ودماء الخاصّة والعامة من أن تراق ، وكلّ من يخاطبني فإنما يتّبع هواي ولا ينظر في أعجاز « 1 » الأمور . أحضرونى خلعا . فأحضرها [ فمنحها ] أبا العباس ، واحتبسه حتى أكل عنده وقدّمه في مجلسه ، ودعا بطيب طيّبه به . فلما أحضرت المجمرة قام أبو العباس ليتبخّر خارج المجلس ، كما كان أبو القاسم عبيد اللّه يفعل وهو كاتبه إذا أمر له بمثل هذا . فحلف بدر أنه لا يتبخر إلّا بين يديه . فبخّره وخرج ، فأمر نحريرا وابن سمعان بالركوب معه إلى ديوانه على سبيل التّكرمة وقال له : يا أبا العباس ، لا ترى قطّ منى إلّا ما تحبّ بعد هذا اليوم ولا تجرى منى إلا مجرى الأخ . ولست أورد عليك توقيعا بإقطاع ولا ضيعة بعد هذه الدفعة . قال : وسمعت أبا الحسن محمد بن عبدون يقول : سمعت بدرا يقول بعد خروج ابن الفرات : لا يزال السلطان بخير ما دام في كتّابه مثل هذا الرجل لولا عجلة فيه
--> ( 1 ) أعجاز الأمور : عواقبها .