أبي نعيم الأصبهاني
98
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
شهوة التقدم في إلزام القلب الحذر من الغفلة عن الرب عز وجل . وأجلب الأشياء للذكر وأطرده للنسيان شدة العناية بعمران القلب بذكر المولى ، لأنه إذا قدم العناية وألزمها قلبه لا يغفل قلبه عن ذكر المولى ، هاج للذكر وتفرغ عن النسيان . قال : وسئل الحارث عما ينال به الاخلاص فقال : ينال بثلاث خلال ، والمخلص في بعضها أقوى من بعض . ودواعي الريا عليه أقل وأضعف ، وهو في بعضها أضعف إخلاصا ، والدواعي عليها أكبر وأقوى ، فأعلاها التي يكون بها المخلص أقوى المخلصين ؛ والخطرات عليه أقل وأضعف ، تعظيم قدر الرب وإجلاله ، واستصغار قدر المخلوقين أنهم لا يستأهلون أن يتقرب إليهم بطاعة الرب ، حتى يضعهم العبد بحيث وضعهم اللّه من الحاجة والفاقة والمسكنة ، إذ خلقهم المولى من ملك الضر والنفع ، ولم يجعل لأحد من الخلق شركة في الأشياء ، ولا يليق بهم ذلك ، وذلك مستحيل أن يملك العبد المحدث مع القديم الأول مثقال ذرة لا أصغر ولا أكبر ، ولا يملك ضرا ولا نفعا ، فان أعظم قدر الرب بقلبه وأنزل عباده بالمنزل الذي هم به ، انصرف قلبه عن طلب حمد المخلوقين ، إذ عرف قدرهم وانصرفت نفسه عنهم في طلب كل منفعة دنيا وآخرة ، وارتاح قلبه لطلب حمد اللّه والتحبب إلى اللّه ، إذ عرف قدره وأن إليه حاجته في الدنيا والآخرة . وأنه لا ينال منفعة فيهما إلا منه ، وأنه أهل أن يرجى ويؤمل جوده وكرمه ، فإن لم يقو على هذه الخلة فالخلة الثانية أن يذكر اطلاع اللّه على ضميره ، وهو يريد بطاعته حمد عبد مملوك ضعيف يتحبب إليه بالمقت إلى مولاه ، ويتقرب إليه بالتباعد من سيده ، ويحظى في عين عبد مملوك ضعيف يبلى ويموت بالسقوط من عين الا له الذي لا يموت ، فإنه حينئذ يستكين عقله ويخشع طبعه من قبول كل خطرة تدعوه إلى إرادة المخلوقين بطاعة ربه ، فإن لم يقو على هذه الخلة فالخلة الثالثة أن يرجع إلى نفسه بالرحمة لها والاشفاق عليها من حبط عمله في يوم فاقته وفقره ، فيبقى خاسرا قد حبط إحسانه وخسر عمله ، ثم لا يأمن أن يكون ذلك لو أخلصه لرجحت حسناته على سيئاته قبحا لها إذا أراد به العباد ، فتبقى حسناته خفيفة ،