أبي نعيم الأصبهاني
88
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
ولم يشغلهم في دنياهم عن طاعته ، ولم يغفلوا عن شكره ، وكان ثواب الرافض لها في الآخرة ، والراكن إليها واحدا ، كان اللّه عز وجل أهلا أن يبغض ما أبغض ، ويتهاون بما أهان عليه ، وذلك زهد المحبين له ، المعظمين المجلين . وقد دل اللّه عز وجل على هذه الخمس خصال بكتابه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وما نطق به أهل الخاصة من عباده الحكماء العلماء . * أخبرنا جعفر بن محمد بن نصر في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت أبا عثمان البلدي يقول : بلغني عن الحارث بن أسد أنه قال : العلم يورث المخافة ، والزهد يورث الراحة ، والمعرفة تورث الإنابة ، وخيار هذه الأمة الذين لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم ، ولا دنياهم عن آخرتهم ، ومن صحح باطنه بالمراقبة والاخلاص زين اللّه ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة ، ومن اجتهد في باطنه ورثه اللّه حسن معاملة ظاهره ، ومن حسن معاملته في ظاهره مع جهد باطنه ورثه اللّه الهداية اليه ، لقوله تعالى ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) الآية . * أخبرنا محمد بن أحمد - في كتابه قبل أن لقيته - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال قال الحارث بن أسد وسئل بم تحاسب النفس ؟ قال : بقيام العقل على حراسة جناية النفس ، فيتفقد زيادتها من نقصانها ، فقيل له : ومم تتولد المحاسبة ؟ قال : من مخاوف النقص وشين البخس والرغبة في زيادة الأرباح ، والمحاسبة تورث الزيادة في البصيرة ، والكيس في الفطنة والسرعة إلى إثبات الحجة واتساع المعرفة ، وكل ذلك على قدر لزوم القلب للتفتيش . فقيل له : من أين تخلف العقول والقلوب عن محاسبة النفوس ؟ قال : من طريق غلبة الهوى والشهوة لأن الهوى والشهوة يغلبان العقل ، والعلم والبيان . وسئل : مم يتولد الصدق ؟ قال : من المعرفة بأن اللّه يسمع ويرى ، وخوف السؤال عن مثاقيل الذر من إرسال اللفظ وخلف الوعد ، وتأخير الضمان . فالمعرفة أصل للصدق ، والصدق أصل لسائر أعمال البر ، فعلى قدر قوة الصدق يزداد العبد في سائر أعمال البر .