أبي نعيم الأصبهاني

89

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

وسئل عن الشكر ما هو ؟ قال : علم المرء بان النعمة من اللّه وحده وأن لا نعمة على خلق من أهل السماوات والأرض إلا وبدائعها من اللّه ، فشكر اللّه عن نفسه وعن غيره ، فهذا غاية الشكر . وسئل عن الصبر قال : هو المقام على ما يرضى اللّه تبارك وتعالى بترك الجزع وحبس النفس في مواضع العبودية مع نفى الجزع . فقيل له : فما التصبر قال : حمل النفس على المكاره ، وتجرع المرارات ، وتحمل المؤن ، واحتمال المكابدات لتمحيص الجنايات ، وقبول التوبة ، لأن مطلب المتصبر تمحيص الجنايات رجاء الثواب ، ومطلب الصابر بلوغ ذرى الغايات ، والمتصبر يجد كثيرا من الآلام ، والصابر سقط عنه عظيم المكابدات لأن مطلبه العمل على الطيبة والسماحة لعلمه بان اللّه ناظر اليه في صبره ، وأنه يعينه وأن صبره لمولاه لما يرضى مولاه عنه فاحتمل المؤن وفيه يقول الحكيم : رضيت وقد أرضى إذا كان مسخطى * من الأمر ما فيه رضى من له الأمر وأشجيت أيامى بصبر حلون لي * عواقبه والصبر مثل اسمه صبر قيل : فكيف السبيل إلى مقام الرضا ؟ قال : علم القلب بان المولى عدل في قضائه غير متهم ، وأن اختيار اللّه له خير له من اختياره لنفسه ، فحينئذ أبصرت العقول وأيقنت القلوب ، وعلمت النفوس ، وشهدت لها العلوم أن اللّه أجرى بمشيئته ما علم أنه خير لعبده في اختياره ومحبته ، وعلمت القلوب أن العدل من واحد ليس كمثله شيء فخرست الجوارح من الاعتراض على من قد علمت أنه عدل في قضائه غير متهم في حكمه ، فسر القلب من قضائه . * أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت الحارث بن أسد يقول : اعلم بأنك لست بشيء إلا باللّه ، وليس لك شيء إلا ما نلت من رضوان اللّه ، وأنك إن اتقيته في حقه وقاك شر من دونه ، ولا يصلح عبد إلا أصلح اللّه بصلاحه سواه ، ولا يفسد عبد إلا أفسد اللّه بفساده غيره ، فاعداؤك من نفسك طبائعك السيئة ، وأولياؤك من نفسك طبائعك الحسنة ، فقاتل ما فيك من ذلك ببغض