أبي نعيم الأصبهاني

57

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

* أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد - في كتابه - وحدثني عنه عثمان ثنا عبد اللّه ابن سهل الرازي قال سمعت يحيى بن معاذ يقول : لا تجعل الزهد حرفتك لتكتسب بها الدنيا ، ولكن اجعلها عبادتك لتنال بها الآخرة . وإذا شكرك أبناء الدنيا ومدحوك فاصرف أمرهم على الخرافات . وقال : ترى الخلق متعلقين بالأسباب والعارف متعلق بولي الأسباب ، إنما حديثه عن عظمة اللّه وقدرته وكرمه ورحمته يحترف بهذا دهره ويدخل به قبره . وسمعته يقول : من كانت الحياة قيده كان طلاقه منها موته . وسمعته يقول : الدنيا لا قدر لها عند ربها وهي له فما ينبغي أن يكون قدرها عندك وليست لك . قال : وسئل يحيى عن الوسوسة فقال : إن كانت الدنيا سجنك كان جسدك لها سجنا ، وان كانت الدنيا روضتك كان جسدك لها بستانا . وقيل ليحيى : كيف يتعبد الرجل من غير بضاعة تعينه على العبادة ؟ قال : أولئك بضاعتهم مولاهم وزادهم تقواهم وشغلهم ذكراهم ، ومن اهتم بعشائه لم يتهن بغذائه ومن أراد تسكين قلبه بشيء دون مولاه لم يزد استكثاره من ذلك الا اضطرابا . * حدثنا أبو الحسن محمد بن عمرو ثنا الحسن بن علوية سمعت يحيى بن معاذ يقول : لو لم يكن للعارفين الا هاتان النعمتان لكفاهم منه ، متى رجعوا إليه وجدوه ، ومتى ما شاءوا ذكروه . * حدثنا أبو الحسن ثنا الحسن قال سمعت يحيى يقول : من صفة العارف شيئان ما مضى وما كان وفيما هو وما أعلم وكيف أعمل ، وبعده ما يكون فكيف تكون هذه الثلاثة الأيام أمس واليوم وغدا قد زل عن قلبه عجب عمله ولازمه خوف ذنبه . قال وسمعت يحيى يقول : من صفة العارف جسم ناعم وقلب هائم وشوق دائم وذكر لازم . قال وسمعت يحيى يقول عبادة العارف في ثلاثة أشياء معاشرة الخلق بالجميل ، وإدامة الذكر للجليل ، وصحة جسم بين جنبيه قلب عليل . وسمعته يقول : سبحان من طيب الدنيا للعارفين بمعرفته ، وسبحان من طيب لهم الآخرة بمعذرته ، فتلذذوا أيام الحياة بالذكر في مجالس معرفته وغدا يتلذذون في رياض القدس بشراب مغفرته فلهم في الدنيا زرع ذكر