أبي نعيم الأصبهاني
345
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
* سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول : سمعت المرتعش يقول : سألت أبا عبد اللّه الحضرمي عن التصوف - وكان منذ عشرين سنة صمت عن الكلام - فأجابني من القرآن فقال : ( رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) فقلت : فكيف صفتهم ؟ فقال : ( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ) . قلت : فأين محلهم من الأحوال ؟ قال ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) قلت : زدني . قال ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ) . 621 - [ عبد اللّه الحداد ومنهم أبو محمد عبد اللّه بن محمد الرازي يعرف بالحداد . كان عن حظه حائدا ، ولمشهوده شاهدا . * سمعت نصر بن أبي نصر العطار الصوفي يقول سمعت محمد بن داود الدينوري يقول قال عبد اللّه بن الحداد : العبودية ظاهرا والحرية باطنا من أخلاق الكرام . وقال : العبادة يعرفها العلماء ، والإشارة يعرفها الحكماء ، واللطائف يقف عليها السادة من النبلاء . وكان يقول : علامة الصبر ترك الشكوى ، وكتمان الضر والبلوى . ومن علامة الاقبال على اللّه صيانة الاسرار عن الالتفات إلى الأغيار ، وأحسن العبيد حالا من رأى نعم اللّه عليه بأن أهله لمعرفته ، وأذن له في قربه ، وأباح له سبيل مناجاته ، وخاطبه على لسان أعز السفراء محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وعرف تقصيره عن القيام بواجب أداء شكره ، إذ شكره يستوجب شكرا إلى مالا نهاية . وأحسن العبيد من عد تسبيحه وصلاته ويرى أنه لا يستحق به على ربه شيئا . فلولا فضله ورحمته لعاينت الأنبياء عليهم السلام في مقام الافلاس ، كيف وأجلهم حالا وأرفعهم منزلة ، والقائم بمقام الصدق كيف عجز عنه الرسل ، كلهم يقول : « ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل » فمن رأى لنفسه بعد هذا حالا أو مقاما فهو لبعده عن طرقات المعارف ] « 1 » .
--> ( 1 ) زيادة من ز