أبي نعيم الأصبهاني
298
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
والاعراض لا تخلو من أحد أمرين : إما محدث ظهر إلى الكون بغير علة ولا سبب جعله مقدما لأجرائه فيكون ذلك المحدث عنه أو يكون حدثها ظهر عن علة وسبب تقدمها ، فرأيت مدار قول هذه الفرقة فيما به تعلقت وإليه رجعت أن المخترعات أفعالها وأقوالها للّه الواحد القهار ، فلم أدفع الأصل فيما إليه أشارت ودخلت الشبهة عليهم ، إذ لم يفرقوا بين ما أحدثه المحدث من الخير والشر والهدى لمن اهتدى والغى لمن غوى ، فدخلت عليهم هذه العلة الجامعة من المختلفات من أفعاله المحدثات بين ذواتها وهيئاتها ، والعذب للفرات والملح الأجاج والحسن والقبيح والعدل والجور والخبيث والطيب . وما فرف بين ذلك إذ يقول ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ) وقال . ( هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ) * . وقال . ( أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ) وقال . ( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ) وقال ( لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ) : فرأيت اللّه وإن كان هو منشئ الأشياء بسبب وبغير سبب ، قد فضل خلقه بين منشآته ، وبين ذلك في آياته ، فذهب على هذه الفرقة ما فضل اللّه به بعض الأشياء على بعض ، وكل ذلك بأمره قد نفذ فيه حكمه ، وبرئ من عاره وإثمه ، وغاب عنها إحداث اللّه للخلق على طبائع مختلفة ، ودواع متباينة . إذ طبع النفوس أرضية بشرية مطالبة بحاجتها وشهواتها ، وطبع الروح نزهة تطالب بصفائها وتقتضى شرف علوها . وجعل العقل سراجا بينهما كل ينازعه ويجذبه إليه ليستعين به فيما يطلبه من حظه ، فمن غلب عليه منها أداه ذلك إلى ملك القلب ، فمتى ملك القلب أحدهما فإن كان ذلك تأثير العقل انقادت له الجوارح . ثم رأيت النفس وإن كان طبعها العاجلة في فعل ذلك بها تأثيرا لها وما طبع عليه من قبول الانفعال . وكذلك للروح تأثير انفعالها فيما فعل فيه . ورأيت سلطان النفس الهوى ، ووزيرها الجهل وفعلها الجور . ورأيت ذلك كله وإن كان في قبضة التدبير وسلطان القهر خارجا من الجبر