أبي نعيم الأصبهاني

299

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

ممكنا من النظر والتصفح والأقدام والاحجام ، سببا للبلاء ومجرى للاختبار الموجب للولاية المظهر للعداوة . ثم رأيت المقامات في ذلك مختلفة ، والأحوال متباينة ، والمعارف متفاوتة . فمن بين مقصر قد أحاطت به رؤية التقصير واعترف بتخلفه وأزرى على نفسه ، وبين سابق قد بذل في العبادة للّه جهده فلم يبلغ من ذلك إربه ، متعلق بعبادته ناظر إلى مجاهدته وتحصيل محاسبته لنفسه . وآخر مع جهده مأخوذ عن أحواله ، وقد وصل به آماله وصدقه في أعماله وأخلص في قصده واستفرغ جهده ، فبلغ من ذلك حظه ، فأعرضت عن ذكر هؤلاء أجمعين . وفرقة أخرى من العارفين أشرفت على عجائبهم في مقاماتهم وعظيم طرقهم في سيرهم وسيرهم ، وقطع مفازهم في تيه مضلة العقول ، وتنسم عقاب الحيرة ، وقطع لجة الهلكة وصراط الاستقامة ، فرأيتهم بعين لا يستتر عنها متوار في حجا به ، قد خدع المغرور منهم بمكانه ، فمن بين صريع تحت إشارته في بحر عميق بين علم الجمع والتفريق . فرأيته أسوأ حالا ممن خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق وفرقة أخرى قد أنس بالفناء في مكانه ، واستبطن البقاء مع أهل زمانه ، فلا هو بعلم الفناء يقوم ، ولا على روح البقاء يدوم ، فعمه في طغيانه ولم تختلف عليه أحكامه ، ولم يعرف الحق من الباطل ، ولا فرق بين المخلوق والخالق ، ولا الفاعل ، والمفعول ، ولا الفعل من الانفعال ولا تميز له الظاهر من الباطن ، ولا العاجز من القادر ، فكان كمن ( اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ) . وفرقة منهم رأت أنه مكن في مقامه ولاحت له الأحكام فلم يكن عنده لها مكان إلا ما علق منها على الخلق ، وإنما كانت الأحكام عندهم معلقة على الخلق لرؤية آثارهم وحضور إراداتهم واختلاف أحوالهم والمشاهدة منهم في أنفسهم من بين عقل متين وهوى مائل ، فلذلك علق عليهم لأمره عندهم ، وقصدوا بالنهى وبعثت إليهم الرسل فتمكن منهم الجهل واستوثق منهم العجب ، فلم يمكن