أبي نعيم الأصبهاني

276

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

بالطعام وهو مولد للاعراض . وقوت بالذكر فهذا يشممهم الصفات ، وقوت برؤية المذكور وهو الذي يفنى ويبيد . قال ثم أنشد يقول : إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها * فلم تلبث النفس التي أنت قوتها . * أخبرنا محمد بن أحمد المفيد - في كتابه - وحدثنا عنه عثمان بن محمد قبل أن لقيته ثنا عبد الصمد بن محمد الجبلي قال : كتب الجنيد إلى أبي إسحاق المارستانى : يا أخي كيف أنت في ترك مواصلة من عرضك للتقصير ، ودعاك إلى النقص والفتور ، وكيف ينبغي أن تكون مباينتك له وهجرانك ، وكيف إعراض سرك ونبو قلبك وعزوف ضميرك عنه ، حقيق عليك على ما وهبه اللّه لك وخصك به من العلم الجليل والمنزل الشريف أن تكون عن المقبلين على الدنيا معرضا ، وأن تكون لهم بسرك وجهرك قاليا . وأن تكون لهم في بلائهم إلى اللّه شافعا . فذلك بعض حقك لك . وحرى بك أن تكون للمذنبين ذائدا ، وأن تكون لهم بفهم الخطاب إلى اللّه رائدا ، وفي استنقاذهم وافدا ، فتلك حقائق العلماء وأماكن الحكماء ، وأحب الخلق إلى اللّه أنفعهم لعياله ، وأعمهم نفعا لجملة خلقه . جعلنا اللّه وإياك من أخص من أخلصه بالاخلاص إليه ، وأقربتهم في محل الزلفى لديه ، أيحسن بالعاقل اللبيب والفهم الأديب الطالب المطلوب المحب المحبوب المكلأ المعلم ، المزلف المقرب ، المجالس المؤانس أن يعير الدنيا طرفه ، أو يوافقها بلحظه ؟ وقد سمع سيده ومولاه وهو يقول لأجل أصفيائه وسيد رسله وأنبيائه ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) ؟ الآية ، أفشاهد أنت لفهم الخطاب وإمكان رد الجواب ، فترك حظه من اللّه مما فاته ومصافاته ومكافأته ومكانه منه وموالاته أن يواد من لا يواده أو يألف من لا يوافقه . غض يا أخي بصر سرك وبصيرة قلبك عن الايماء إلى النظر إليهم دون المواصلة لهم ، وصن بالمضمون من ضميرك عن أن تكون لك بالقوم مؤالفة ، فو اللّه لا وإلى اللّه من يحاده ولا أقبل على من يبغضه ، ولا عظم من يعظم ما صغره وقلله إلا أن ينزع عن ذلك ، فكن من ذلك على يقين وكن لأماكن من اعرض عن