أبي نعيم الأصبهاني

277

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

الحق مستهينا . وبعد يا أخي فتفضل باحتمالى إن غلظ عليك مقالى ، وتجشم الصبر على أن يوافق قلبك ما في كتابي ، فان المناصحة والمفاصحة خير من الأغضاء مع المتاركة ، وانى أختم كتابي وأستدعى جوابي بقولي ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ ) وصلى اللّه على سيدنا محمد المصطفى وعلى آله وسلم تسليما كثيرا . * سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانئ يقول سألت أبا القاسم الجنيد بن محمد قلت : متى يكون الرجل موصوفا بالعقل ؟ قال : إذا كان للأمور مميزا ، ولها متصفحا ، وعما يوجبه عليه العقل باحثا : يبحث يلتمس بذلك طلب الذي هو به أولى ، ليعمل به ويؤثره على ما سواه ، فإذا كان كذلك فمن صفته ركوب الفضل في كل أحواله بعد إحكام العمل بما قد فرض عليه ، وليس من صفة العقلاء اغفال النظر لما هو أحق وأولى ولا من صفتهم الرضا بالنقص والتقصير ، فمن كانت هذه صفته بعد إحكامه لما يجب عليه من عمله ترك التشاغل بما يزول وترك العمل بما يفنى وينقضى ، وذلك صفة كل ما حوت عليه الدنيا ، وكذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل ، ويسير حائل ، يصده التشاغل به والعمل له عن أمور الآخرة التي يدوم نعيمها ونفعها ، ويتصل بقاؤها . وذلك أن الذي يدوم نفعه ويبقى على العامل له حظه وما سوى ذلك زائل متروك مفارق موروث يخاف مع تركه سوء العاقبة فيه ومحاسبة اللّه عليه . فكذلك صفة العاقل لتصفحه الأمور بعقله ، والأخذ منها بأوفره . قال اللّه تعالى : ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ) كذلك وصفهم اللّه وذو الألباب هم ذو والعقول . وإنما وقع الثناء عليهم بما وصفهم اللّه به للأخذ بأحسن الأمور عند استماعها وأحسن الأمور هو أفضلها وأبقاها على أهلها نفعا في العاجل والآجل ، وإلى ذلك ندب اللّه عز وجل من عقل في كتابه . * حدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت محمد بن عبد اللّه الرازي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول : ما أخذنا