أبي نعيم الأصبهاني

264

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

* سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا عبد اللّه الدارمي يقول سمعت أبا بكر العطوى يقول : كنت عند الجنيد حين مات فختم القرآن ثم ابتدأ من البقرة فقرأ سبعين آية ثم مات رحمه اللّه . * حدثنا أبو الحسن علي بن هارون قال سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد يقول وسأله جعفر : ما تقول أكرمك اللّه في الذكر الخفي ما هو الذي لا تعلمه الحفظة ، ومن أين زاد عمل السر على عمل العلانية سبعين ضعفا ؟ فأجابه فقال : وفقنا اللّه وإياكم لأرشد الأمور وأقربها إليه ، واستعملنا وإياكم بأرضى الأمور وأحبها إليه ، وختم لنا ولكم بخير . فأما الذكر الذي يستأثر اللّه بعلمه دون غيره فهو ما اعتقدته القلوب وطويت عليه الضمائر مما لا تحرك به الألسنة والجوارح ، وهو مثل الهيبة للّه والتعظيم للّه والاجلال للّه ، واعتقاد الخوف من اللّه ، وذلك كله فيما بين العبد وربه ، لا يعلمه إلا من يعلم الغيب . والدليل على ذلك قوله عز وجل ( لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ) * وأشباه ذلك وهذه أشياء امتدح اللّه بها فهي له وحده جل ثناؤه . وأما ما تعلمه الحفظة فما وكلت به وهو قوله : ( ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) وقوله . ( كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ) . فهذا الذي وكل به الملائكة الحافظون ما لفظ به وبدا من لسانه . وما يعلنون ويفعلون هو ما ظهر به السعي ، وما أضمرته القلوب ، مما لم يظهر على الجوارح ، وما تعتقده القلوب فذلك يعلمه جل ثناؤه ، وكل أعمال القلوب ما عقد لا يجاوز الضمير فهو مثل ذلك واللّه أعلم . وما روى في الخبر من فضل عمل السر على عمل العلانية وأن عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ضعفا ، فذلك واللّه أعلم لأن من عمل للّه عملا فأسره فقد أحب أن ينفرد اللّه عز وجل بعلم ذلك العمل منه ومعناه أن يستغنى بعلم اللّه في عمله عن علم غيره ، وإذ استغنى القلب بعلم اللّه أخلص العمل فيه ولم يعرج على من دونه ، فإذا علم جل ذكره بصدق قصد العبد إليه وحده وسقط عن ذكر من دونه أثبت ذلك العمل في أعمال الخالصين الصالحين المؤثرين اللّه على من سواه ، وجازاه اللّه بعلمه بصدقه من الثواب