أبي نعيم الأصبهاني
259
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
عوام المسلمين ، وكذلك وصفهم اللّه فقال ( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) وقال داود عليه السلام : إلهي ما علم من لم يخشك . فالمعرفة التي فضلت بها الخاصة العامة هي عظيم المعرفة ، فإذا عظمت المعرفة بذلك واستقرت ولزمت القلوب صارت يقينا قويا فكملت حينئذ أخلاق العبد وتطهر من الأدناس ، فنال به عظيم المعرفة بعظيم القدر والجلال ، والتذكر والتفكر في الخلق كيف خلقهم ، وأتقن صنعتهم ، وفي المقادير كيف قدرها فاتسقت على الهيئات التي هيأها ، والأوقات التي وقتها . وفي الأمور كيف دبرها على إرادته ومشيئته ، فلم يمتنع منها شيء عن المضي على إرادته ، والاتساق على مشيئته . وقد قال بعض أهل العلم : إن النظر في القدة يفتح باب التعظيم للّه في القلب . ومر بعض الحكماء بما لك بن دينار فقال له مالك : عظنا رحمك اللّه . فقال : بم أعظك ؟ إنك لو عرفت اللّه أغناك ذلك عن كل كلام ، لكن عرفوه على دلالة أنهم لما نظروا في اختلاف الليل والنهار ، ودوران هذا الفلك ، وارتفاع هذا السقف بلا عمد ومجارى هذه الأنهار والبحار ، علموا أن لذلك صانعا ومدبرا لا يعزب عنه مثقال ذرة من أعمال خلقه فعبدوه بدلائله على نفسه ، حتى كأنهم عاينوه ، واللّه في دار جلاله عن رؤيته ، ففي ذلك دليل أنهم بعظيم قدره أعرف وأعلم ، إذ هم له أجل وأهيب . * سمعت أبا الحسن علي بن هارون بن محمد السمسار يقول سمعت الجنيد ابن محمد يقول : اعلم يا أخي أن الوصول إذا ما سألت عنه مفاوز مهلكة ، ومناهل متلفة ، لا تسلك إلا بدليل ، ولا تقطع إلا بدوام ورحيل ، وأنا واصف لك منها مفازة واحدة ، فافهم ما أنعته لك منها ، وقف عندما أشير لك فيها ، واستمع لما أقول ، وافهم ما أصف : اعلم أن بين يديك مفازة إن كنت ممن أريد بشيء منها ، وأستودعك اللّه من ذلك وأسأله أن يجعل عليك واقية باقية ، فان الخطر في سلوكها عظيم ، والأمر المشاهد في الممر بها جسيم ، فان من أوائلها أن يوغل بك في فيح برزخ لا أمد له إيغالا ، ويدخل بك بالهجوم فيه إدخالا ، وترسل في جويهنته إرسالا . ثم تتخلى منك لك ، ويتخلى منك له ، فمن أنت