أبي نعيم الأصبهاني
260
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
حينئذ وما ذا يراد بك ، وما ذا يراد منك ؟ وأنت حينئذ في محل أمنه روع ، وأنسه وحشة ، وضياؤه ظلمة ، ورفاهيته شدة ، وشهادته غيبة ، وحياته ميتة ، لأدرك فيه لطالب ، ولا مهمة فيه لسارب ، ولا نجاة فيه لهارب ، وأوائل ملاقاته اصطلام ، وفواتح بدائعه احتكام ، وعواطف ممره احترام . فان غمرتك غوامره انتسفتك بوادره ، وذهب بك في الارتماس ، وأغرقتك بكثيف الانطماس ، فذهبت سفالا في الانغماس إلى غير درك نهاية ولا مستقر لغاية ، فمن المستنقذ لك مما هنالك ، ومن المستخرج لك من تلك المهالك ؟ وأنت في فرط الاياس من كل فرج مشوه بك في إغراق لجة اللجج ؟ فاحذر ثم احذر ، فكم من متعرض اختطف ، ومتكلف انتسف ، وأتلف بالغرة نفسه ، وأوقع بالسرعة حتفه ، جعلنا اللّه وإياك من الناجين ، ولا أحرمنا وإياك ما خص به العارفين . واعلم يا أخي أن الذي وصفته لك من هذه المفاوز وعرضت ببعض نعته إشارة إلى علم لم أصفه ، وكشف العلم بها يبعد ، والكائن بها يفقد ، فخذ في نعت ما تعرفه من الأحوال ، وما يبلغه النعت والسؤال ، ويوجد في المقاربين والأشكال ، فان ذلك أقرب بظفرك لظفرك ، وأبعد من حظك لحظك ، وأحذر من مصادمات ملاقاة الأبطال والهجوم على حين وقت النزال ، والتعرض لأماكن أهل الكمال ، قبل أن تمات من حياتك ثم تحيى من وفاتك ، وتخلق خلقا جديدا ، وتكون فريدا وحيدا ، وكل ما وصفته لك إشارة إلى علم ما أريده . * سمعت علي بن هارون يقول سمعت الجنيد بن محمد يقول - وقرأه علينا في كتاب كتب به إلى بعض إخوانه - : اعلم رضى اللّه عنك أن أقرب ما استدعى به قلوب المريدين ، ونبه به قلوب الغافلين ، وزجرت عنه نفوس المتخلفين ، ما صدقته من الأقوال جميع ما اتبع به من الأفعال ، فهل يحسن يا أخي أن يدعو داع إلى أمر لا يكون عليه شعاره ، ولا تظهر منه زينته وآثاره . وألا يكون قائله عاملا فيه بالتحقيق ، وبكل فعل بذلك القول يليق ، وأفك من دعا إلى الزهد وعليه شعار الراغبين ، وأمر بالترك وكان من