أبي نعيم الأصبهاني

157

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

رأيتها قلت في نفسي : أين أبو بشر الصياد - إنسان كان بأولاس - هذه الساعة ؟ فإذا الحيتان قد تفرقت كأنما طرح في وسطها حجر . فالتفت إلى فقال فعلتها ؟ فقلت : إنما قلت كذا وكذا . فقال لي : مر لست مطلوبا بهذا الأمر ، ولكن عليك بهذه الرمال والجبال فوار شخصك ما أمكنك ، وتقلل من الدنيا حتى يأتيك أمر اللّه ، فانى أراك بهذا مطالبا . ثم غاب عنى فلم أره حتى مات . وكانت كتبه تصل إلى فلما مات كنت قاعدا يوما فتحرك قلبي للخروج من باب البحر ولم تكن لي حاجة ، فقلت : لا أكره القلب فيغمنى . فخرجت فلما صرت في المسجد الذي على الباب إذا أنا بأسود قام إلى فقال لي : أنت أبو الحارث ؟ فقلت : نعم . فقال لي : آجرك اللّه في أخيك إبراهيم بن سعد ، - وكان اسمه واضحا مولى لإبراهيم بن سعد - فذكر أن إبراهيم أوصاه أن يوصل إلى هذه الرسالة ، فإذا فيها مكتوب : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، يا أخي إذا نزل بك أمر من فقرأ وسقم أو أذى فاستعن باللّه ، واستعمل عن اللّه الرضا ، فان اللّه مطلع عليك يعلم ضميرك وما أنت عليه ، ولا بدلك من أن ينفذ فيك حكمه ، فان رضيت فلك الثواب الجزيل ، والأمن من الهول الشديد ، وأنت في رضاك وسخطك لست تقدر أن تتعدى المقدور ، ولا تزداد في الرزق المقسوم ، والأثر المكتوب ، والأجل المعلوم ، ففي أي هذه الأفعال تريد أن تحتال في نقضها بهمك ، أو باي قوة تريد أن تدفعها عنك عند حلولها أو تجتلبها من قبل أوانها ؟ كلا واللّه لا بدّ لأمر اللّه أن ينفذ فيك ، طوعا منك أو كرها ، فإن لم تجد إلى الرضا سبيلا فعليك بالتحمل ، ولا تشك من ليس بأهل أن يشكى ، ومن هو أهل الشكر والثناء القديم ، ما أولى من نعمته علينا فما أعطى وعافى أكثر مما زوى وأبلى ، وهو مع ذلك أعرف بموضع الخيرة لنا منا ، وإذا اضطرتك الأمور وكل صبرك فالجأ إليه بهمك ، وأشك إليه بثك ، وليكن طمعك فيه ، واحذر أن تستبطئه أو تسئ به ظنا فان لكل شيء سببا ، ولكل سبب أجل ، ولكل هم في اللّه وللّه فرج عاجل أو آجل ، ومن علم أنه بعين اللّه استحى أن يراه اللّه يأمل سواه . ومن أيقن بنظر اللّه له أسقط الاختيار