أبي نعيم الأصبهاني
107
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
العلو ومنها من لا يطيق ذلك فيجعل الأسباب هي المؤدية إليهم الفهم ، وبها يستدرك فهم الخطاب فيكون منه الجواب أن لا يقف عند قوله ( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) وهذه أماكن يضيق بسط العلم فيها إلا عند المفاوضة لأهل المحاضرة ، وفي الاشتغال بعلم مسالك الطرقات المؤدية إلى علوم أهل الخاصة الذين خلوا من خلواتهم ، وبرءوا من إرادتهم ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون ، عصفت بهم رياح الفطنة فأوردتهم على بحار الحكمة فاستنبطوا صفو ماء الحياة ، لا يحذرون غائلة ، ولا يتوقعون نازلة ، ولا يشرهون إلى طلب بلوغ غاية ، بل الغايات لهم بدايات ، هم الذين ظهروا في باطن الخلق ، وبطنوا في ظاهره ، أمناء على وحيه ، حافظون لسره ، نافذون لأمره ، قائلون بحقه ، عاملون بطاعته ( يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ) جرت معاملتهم في مبادئ أمورهم بحسن الأدب فيما ألزمهم القيام به من حقوقه فلم تبق عندهم نصيحة إلا بذلوها ، ولا قربة إلا وصلوها ، سمحت نفوسهم ببذل المهج عند أول حق من حقوقه في طلب الوسيلة إليه ، فبادرت غير مبقية ولا مستبقية ، بل نظرت إلى أن الذي عليها في حين بذلها أكثر بحالها مما بذلت ، لوائح الحق إليها مشيرة ، وعلوم الحق لديها غزيرة ، لا توقفهم لائمة عند نازلة ، ولا تثبطهم رهبة عند فادحة ، ولا تبعثهم رغبة عند أخذ أهبة بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء . * أخبرنا جعفر بن محمد بن نصر - في كتابه - وحدثني عنه عثمان قال سمعت الجنيد بن محمد يقول : سئل الحارث بن أسد وقيل له : رحمك اللّه ، ما علامة الأنس باللّه ؟ قال : التوحش من الخلق . قيل له : فما علامة التوحش من الخلق ؟ قال : الفرار إلى مواطن الخلوات ، والتفرد بعذوبة الذكر ، فعلى قدر ما يدخل القلب من الأنس بذكر اللّه يخرج التوحش ، كما قال بعض الحكماء في مناجاته : يا من آنسني بذكره ، وأوحشنى من خلقه ، وكان عند مسرتى ارحم عبرتي . وفي قول اللّه تعالى لداود عليه السلام : كن بي مستأنسا ، ومن