أبي نعيم الأصبهاني

108

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

سواي مستوحشا . وقيل لبعض المتعبدين : ما فعل فلان ؟ قال : أنس فتوحش . وقيل لرابعة : بم نلت هذه المنزلة ؟ قالت : بتركى ما لا يعنيني ، وأنسى بمن لم يزل . وقال ذو النون في بعض كلامه : يا أنيس كل منفرد بذكرك ، وجليس كل متوحد بحبك . وقال عبد الواحد بن زيد لراهب : يا راهب لقد تعجلت الوحدة . فقال الراهب : يا فتى لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك ، الوحدة رأس العبادة ما أنستها الفكرة . قال يا راهب : ما أقل ما يجد العبد في الوحدة ؟ قال : الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرهم . قال : يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الأنس باللّه ؟ قال : إذا صفا الود وخلصت المعاملة . قال : يا عبد اللّه متى يصفو الود ؟ قال : إذا اجتمع الهم فصار في الطاعة . قلت : متى تخلص المعاملة ؟ قال : إذا اجتمع الهم فصار هما واحدا . وقال بعض الحكماء : عجبا للخلائق كيف أرادوا بك بدلا ، وعجبا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك ، اللهم آنست الآنسين من أوليائك ، وخصصتهم بكفاية المتوكلين عليك ، تشاهدهم في ضمائرهم ، وتطلع عليهم في سرائرهم ، وسترى عندك مكشوف ، وأنا إليك ملهوف ، فإذا أوحشتنى العزلة آنسني ذكرك ، وإذا كثرت على الهموم رجعت إلى الاستجارة بك ، يا رب العالمين . وقال إبراهيم بن أدهم : جئت من أنس الرحمن وكما قال بعض الحكماء : لو أن معي أنسا لتوحشت . قيل : رحمك اللّه فما علامة صحة الأنس باللّه ؟ قال : ضيق الصدر من معاشرة الخلق والتبرم بهم ، واختيار القلب عذوبة الذكر . قيل : رحمك اللّه فما علامته في ظاهره ؟ قال : منفرد في جماعة ، ومستجمع في خلوة ، وغريب في حضر ، وحاضر في سفر ، وشاهد في غيبة ، وغائب في حضور . قيل : اشرح عن وصف هذا ، ما معنى منفرد في جماعة ، ومستجمع في خلوة ؟ قال : منفرد بالذكر مشغول بالفكر ، لما استولى على القلب والهم من الشغل ، وطيب عذوبة الذكر وحلاوته ، وهو منفرد فيما هو فيه عن الجماعة ، وهو شاهد معهم ببدنه ، كما روى عن علي بن أبي طالب في حديث كهيل بن زياد فقال : « هجم بهم العلم عن حقيقة الأمر فباشروا