أبي نعيم الأصبهاني
105
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
قال : تنبيها من اللّه بحرص الجوارح عن إشارة الأرواح فيما طمعت حياء من اللّه تعالى أن يراهم يستريحون إلى غيره . كما قال الحكيم : مريدوه يستحيون أن يراهم * يشيرون بالأرواح نحو سواه قيل : هذا في الظاهر واليقظة فهل لهم زاجر في مناماتهم عند إشارة الأرواح ومطالعتها في خطرات الأطماع ؟ قال : قد روى عن النباجى قال : طمعت يوما في شيء من أمور الدنيا فحملتني عيناي ونمت فسمعت هاتفا في منامي وهو يقول : أو يجمل يا فتى بالحر المريد إذا وجد عند مولاه كل ما يريد أن يركن بقلبه إلى العبيد ؟ فهو عز وجل يزجرهم ويثبتهم ويريهم مواضع الشين والخلل ، ليعملوا في شدة تمام اليقين ، وكثرة السكون والاعتماد عليه دون خلقه ، فتكون لهم الزيادة في مقامهم ، وحسن اللجأ في افتقارهم إلى سيدهم ، فمرهم يا فتى على الاستواء . قيل : فما معنى قوله تعالى ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) ؟ قال : أي سببه بمعنى حسبي من كل شيء أن أتوكل عليه . قيل : فما الأسباب التي تشين توكله ؟ قال : الأسباب التي فيها الحرص والمكابدة على الدنيا والأسباب التي تشغله عن دوام السكون وتزيد في الاضطراب وتقوى خوف الفوت ، وهي الأسباب التي تستعبده وتتعبه ، فتلك التي يؤمر بقطعها حتى يستريح بروح اليقين ، ويتفرج بحياة الاستغناء . قيل : فما علامة سكون المتوكل ؟ قال : تحركه ازعاج المستبطى فيما ضمن له من رزق ربه ، ولا تخلفه فترة المتوانى عن فرصته . قيل أيجد هذا فقد شيء منعه قال : لا يجد فقده إذا منعه لعلة معرفته بحسن اختيار اللّه له أملا من اللّه أن يعوضه في حسن العواقب أفضل من إرادته بالعاجل ، كأنه يراه قريبا ، فمن هاهنا لا يجد فقد شيء منعه قيل فما يقويه على هذه الحالة : قال : حسن علمه بحسن تدبير اللّه له ، فعندها أسقط عن قلبه اختياره لنفسه ورضى بما اختار اللّه له . * أخبرنا جعفر بن محمد - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت الحارث بن أسد يقول : ونعت المختصين بالمعرفة والايمان فقال : هم الذين جعلهم الحق أهلا لتوحيده وإفراد تجريده ،