أبي نعيم الأصبهاني

102

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

يقتلونه عليه ، وغير ذلك طيب الطعام كثرته قد تضره حتى تورثه الأوجاع والسقم . وكذلك يوهب له الولد الذكر فيعصى اللّه فيه ، وربما ضره في الدنيا وغمه بما يصيبه من الأسقام ، وربما كبر حتى يلجئه إلى الاختلاف إلى السجون ومخاصمة الجيران فيه ، أو عداوتهم ، وكذلك يكون في الكرب الشديد من المرض أو بمن يعنيه أمره من ولد وأهل ، فيكثر دعاؤه وتضرعه ، ويتصدق ويخشع قلبه ، فإذا فرج عنه وعاد إلى العافية رجع إلى اللهو والشهوة والعصيان ، وقل تضرعه إلى اللّه ، فكان المرض أصلح لقلبه وأوفر لدينه ، وكانت العافية إن استعملها فيما يضره في دينه أضر عليه من المرض ، وكفاك بعلم اللّه تعالى في ابن آدم ، ووصفه له إذ يقول ( وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ) وقال : ( وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ ) ومثل ذلك في كتاب اللّه كثير ، فإنما أتيت أنك نظرت إلى قدر النعم عند ورودها عليك ، ولم تنظر في عواقبها في دينك ودنياك ، ما تكون في العاقبة أتضر أم تنفع ؟ ألم تسمع قول اللّه ( آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ) واللّه ما تدرى إذا وردت النعم عليك أيها أنفع لك ؟ أقليلها أم كثيرها ؟ فإذا وردت عليك النعمة فاحمد اللّه الذي من بها ، وكن مشفقا من أدنى السلامة منها في دينك ودنياك ، فان كانت صغيرة فاستصغرها قلبك فاذكر عاقبتها وخيرة اللّه فيها ، فلعل اللّه أن يكون قد خار لك فيها ونظر لك بأن قللها ، ولم يجعلها أعظم مما هي ، لعله قد علم أنها لو عظمت وزادك منها أنك تعصى بها فيغضب عليك ، أو يعطيك في دنياك أو تورثك ضررا في دينك ، ألا ترى أنك تعمل بظاهر النعم وتنسى عواقبها ، وقد تبينت عواقبها بالتجارب فيك وفي غيرك ، من كثير الضرر في عظيمها ، وكثرة السلامة في أكثر ما صغر منها ، واللّه لقد بين لك مولاك أن كثيرا منها كان زوالها نعمة عظيمة من اللّه على من زالت عنه ، وأن بقاءها بلية عليه ، من ذلك أن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام قد كان نعمة في الظاهر عظمة غلام ذكر . وقد روى أن الخضر مرمع