أبي نعيم الأصبهاني

103

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

موسى عليهما السلام بعشرة غلمان فأخذ غلاما اضوؤهم وأحسنهم وجها فقطف وجهه ، فأخبرك العليم الخبير بعواقب ضرر النعم وبمنافع عواقبها ، فقال : ( وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً ) فصرف عنهما بقتله إياه أن يدخلا النار . وقد قال مجاهد : قد علمنا أن أبويه قد فرحا به حين ولد ، وحزنا عليه حين قتل ، وكان في بقائه هلكتهما . وكذلك قلع الخضر لوحا من السفينة في لجج البحر وكان عند أصحابها أن في ذلك الغرق ، وقد قال موسى ( أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها ) ؟ وإنما خرقها لينجو أهلها أن لا تمر بالملك الغاصب فيراها صحيحة فيأخذها ، فالغلام قتله خيرة في الدين ، والسفينة خرقها خيرة في الدنيا . فبهذا فاستدل أن النعم ليست في المنافع على قدر عظمها وصغرها ، لأن الغلام لو كان ابنه لم يخش عليه عاقبة طغيان أبويه فيها ، ومما يبين لك هذا قوله تعالى ( فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ) قيل التفسير رزقا ابنة تزوجها نبي وخرج من نسلها سبعون نبيا . * أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد قال سمعت الجنيد بن محمد يقول : سئل الحارث بن أسد عن قول اللّه تعالى ( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) وعن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لو توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا وتروح بطانا » . ما السبيل أكرم اللّه وجهك إلى هذا التوكل الذي ندب اللّه المؤمنين إليه ؟ صف لي كيف هو وكيف دخول الناس فيه . فقال الحارث رحمه اللّه : الناس يتفاتون في التوكل ، وتوكلهم على قد إيمانهم وقوة علومهم . قيل : ما معنى قوة إيمانهم قال : تصديقهم للعدة ، وثقتهم بالضمان . قيل : فمن أين فضلت الخاصة منهم على العامة ، والتوكل في اعتقاد الايمان مع كل من آمن باللّه ! قال : الذي فضلت به الخاصة على العامة دوام سكون القلب عن الاضطراب ، والهدو عن الحركة ، فعندها يا فتى استراحوا من عذاب الحرص ، وفلوا من أسر الطمع ، وخرجوا من ضيق طول الأمل . قيل : فما الذي ولد هذا ؟ قال : حالتان : الأولى منهما دوام لزوم القلب المعرفة ، والاعتماد على اللّه ، وترك